ثقافات صينية
أحمد مبارك البريكي
أمشي بلا وجهة على أنغامٍ صينية.. وشوارع بكين تُشرع أبوابها للبحث في بلاد الممالك القديمة، الحياة هنا سيرك كبير وبلاد المليار ونصف المليار نسمة طريق لسوق الحرير.. والتجارة عامرة وكل شيءٍ (صُنع في الصين).. أتوقف في باحة كبيرة متاجرها الإسفلت والباعة يفترشون الأرصفة، الكل هنا يبيع وخِلت نفسي بأنني في أوكازيون عظيم المتبضع الوحيد فيه أنا. دخلت سوق الأنتيك أو ما يسمى شعبياً سوق الأحد، وكان أول ما أدهشني هو بسطاتُ بيع الآلهة! نعم، كل يسومُ هنا إله وإذا صار الاتفاق بين بائع الآلهة والزبون تم البيع، تماثيل حجرية كبيرة وصغيرة لبوذا، والمخلوقات الخرافية، والحيوانات الأسطورية.. والقنطورات، وأفراس البحر والأفيال وغيرها.. عالم مجنون. أترك المكان لأوغل داخلاً فأجد القطع الأثرية النادرة والنحاسيات والبرونزيات التي يبدو عليها بقايا الحفر والأتربة إذ لا بد أن عارضها قد جاء بها تنقيباً من عمق الطين، وتوحي بأنها تعود لحقب زمنية سالفة وبعيدة.. وتجارة الآثار رائجة ولا رقيب يمنعها.. هنا تعرض مسابيح الكهرم وملصقات من أيام الشيوعية وأشياء كثيرة أثاث وكتب وفخاريات مصنوعة بإتقان وعملات نادرة وطوابع بريدية تحكي فترات مختلفة.. وجدت كتاب «ماو» الأحمر عند امرأة مسنة أظنها عاشت تلك الفترة من زمان الصين وقد تكون رفعت هذا الكتاب مع إشعال الزعيم «ماو» ثورته الثقافية الكبرى.. منتصف الستينيات.. اقتنيت الكتاب ومضيت مكملاً رحلة التريض في البلاد. في شارع (وانغفوجينغ) رأيت جانباً آخر من بلاد الأعاجيب ففي الجادات الضيقة انتشر مقدمو الطعام الغريب الذي تأنف منه النفس الصحيحة، هنا يؤكل كل شيء يتحرك.. الحشرات، ولحوم القطط، والأفاعي والعقارب الحيّة! تطهى العقارب وهي تتحرك وتقدم لطالبيها.. شعرت وأنا أعبر الممر الوخيم، بواجب شكرٍ لله على فضائله الطيبة والعقل التي أغنانا بها عن هذا البلاء، وتذكرت مقطعاً للدكتور مصطفى محمود، رحمه الله، عندما زار الصحراء الليبية ومكث أياماً في بادية (غدامس)، فوجد انتشار العقارب في سكنه بصورة كبيرة فذهب لعمدة القرية يناشده الحل فما وجد إلا سؤالاً منه يقول: انت بتخاف من العقارب يا دكتور؟! العقارب ما تعمل شي!. العيال عندنا بيحطوها بطاسة ويتحدفوا فيها!