التغيير في النهج والتغيير للأشخاص
د. عبدالله يوسف سهر
في اطار ما استعرضناه من مقالات ومحاضرات، او حتى نقاش حول التغيير السياسي، دائما ما يطرح السؤال التالي: ماذا تعني بالتغيير ؟ وهل التغيير الذي تستهدفه محصور في بعض الاشخاص الذين يتصدرون المشهد السياسي وخاصة بعض اعضاء مجلس الأمة؟ وبطبيعة الحال فان الإجابة حول التغيير تطول ولا يمكن ان تتسعها مساحة مقال، لكن وبشكل عام فإن التغيير الذي نتحراه هو ذلك القائم على أسباب موضوعية من شأنها ان تحدث محصلة نهائية إيجابية مختلفة عما عليه واقع الحال. التغيير كمفهوم يعد تعبيرا محايدا، بمعني انه يمكن ان يكون للافضل او للاسوأ معتمدا على محركاته وفواعله وبيئته المعتمل فيها. والتغيير في هذا السياق يختلف عن التطوير من حيث إن الاخير يحمل صفة إيجابية. كما انه مختلف عن التخلف الذي يحمل سمات سلبية. فالتغيير على هذا النحو يقف بينهما محايدا حيث يمكن ان يسير في اي اتجاه وفقا لمحركاته وفواعله وبيئته. ومن جهة اخرى، فالتغيير السياسي والاجتماعي الإيجابي ليس له وصفة محددة تنفع في كل زمان ومكان، على الرغم من ان القواعد العامة تكاد تكون متشابهة في كل التغييرات التي اصابت المجتمعات وعلى رأس تلك القواعد العدالة والمساواة والحريّة. 
 
اذن التغيير الإيجابي الذي نقصده هو تغيير في النهج بشكل اساسي الذي ليس له علاقة بالصفات الشخصية والفردية للأشخاص، مع العلم بأن تغيير الاشخاص قد يكون احيانا كثيرة متطلبا اساسيا للتغيير في النهج خاصة عندما يكون هؤلاء الافراد يمثلون شريحة ما او فرضوا على تمثيلها، وانهم قد جبلوا على ممارسة محددة تجعل من تأثير حركتهم الذاتية تتسع لشمل دائرة اجتماعية اكبر، وتحديدا من هم في سدة موقع للعمل العام الذي يحدث فيه المرء تأثيرا يتعدى ذاته الى ذات غيره.
 
التغيير في النهج، هو دعامة أساسية ترتفع عليها قواعد البناء المجتمعي والسياسي. فالنهج هو عبارة عن مجموعة طرق التعامل مع الاشياء بأساليب جديدة وفقا لانطلاقات تفكير إبداعي يقوم على تشخيص الواقع بشكل مجرد وموضوعي بحيث يمكن إقامة علاقات بين متغيراته وذلك من اجل الوصول الى فهم للمشاكل وطرائق الحل الممكنة التي من خلالها يتم الوصول الى غايات مهمة واستراتيجية ترتبط بصيرورة المجتمع ورفاهيته وأمنه واستقراره، وهو الامر غير المتيسر حاليا وفق النهج المستخدم او المفروض في الواقع.
 
وتغيير النهج ليس مرتهنا بارادة النخب المتصدية والمنظمة والمهيمنة على زمام مفاتيح السلطة اكثر من ارتباطه بارادة الامة شريطة ان تكون هذه الاخيرة تتمتع بحركة مستقلة وحيوية. اما اذا كانت الامة تعاني من أسباب الأمراض الفتنوية والتفرقة والتسطيح وتتفشى في أحشائها أنماط الظواهر الاستهلاكية في التفكير وطريقة الحياة، الى جانب انتشار ظواهر الاستتباع والاستلحاق والتقليد الأعمى، فلا يمكن ان تمثل منطلقا صحيا وصحيحا لأحداث التغيير الإيجابي. ومن هنا يبقى الأمل معقودا على طبقة المثقفين والاُدباء والعلماء والنشطاء المستقلين والمثابرين، كبديل يمكن ان يكون وسيطا بين الواقع والامة. ونظرًا لمثالية الوعي الشمولي في الامة فيبقى السبيل الوحيد والمتاح هو في إسداء الدور التاريخي لطبقة "المثقفين النبلاء" بحيث يتعين ان ينئون بأنفسهم عن اي مطامح ذاتية من اجل الولوج في العقل والعاطفة الجماعية للمجتمع والتأثير فيها على نحو يجعلها اكثر قرباً ومصداقية كأسوة قيادية لحمل مفاتيح التشخيص الموضوعي لإشكاليات وتحديات المجتمع وطرق مواجهتها وكيفية تخطي مصاعبها.
 
ولما كانت المواجهة بين طبقة النخب المسيطرة وطبقة المثقفين حتمية تاريخية، فإن العناصر التي تحدد معالم نهاية ذلك الصراع متباينة، لكن يبقى أهمها هو ميلان الامة، الى جانب قدرة هذه الأطراف في تأدية حراكها ازاء بعضهما البعض. فمثلما تقوم الطبقة المسيطرة بتوظيف ادواتها الناعمة مثل تيسير بعض المصالح المادية والشخصية لمجاميع من الناس ومنهم جماعة من مثقفي السلطة وفقهاء السلطان، الى جانب أدواتها الخشنة مثل القسر والتنكيل لمجموعات اخرى، عوضا عن تطويع القنوات الاعلامية الموجهة والحصرية، فإن طبقة المثقفين يجب ان يكونوا اكثر وعياً في مهارات التواصل والاتصال والتعبئة الجماهيرية التي تتطلب جهدا ومثابرة وشيئا كثيرا من نكران الذات. وفي ظل حتمية ذلك الصراع تلك تكون حتمية تغيير الاشخاص مطلب رئيسي لكلا الطرفين من حيث ان تحقيق ذلك يخدم كل طرف بشكل مختلف. فطبقة المسيطرين او المتصدين تدرك جيدا بان ازاحة كل او جزء كبير من شخوص طبقة المثقفين ستمهد الطريق لهم في فرض واستدامة نهجها في التعامل مع القضايا المجتمعية والسياسية، وتعلم هذه الطبقة "المخملية" جيدا بأن وجود المثقف الرسالي النبيل يمثل عملة نادرة لا تشترى او تباع فتكون ازالته من المشهد غاية استراتيجية لتمهيد الطريق في اتجاه بسط يد التمكين والهيمنة. وفي ذات الوقت، وعلى الجانب الآخر، يعلم الكثير من المثقفين بأن بعض او اغلب المسيطرين على مفاصل الفعل السياسي يمثلون ادارة جماعية للنهج المهيمن الذي يتعين تغييره، لذلك تضحى عملية استهداف تغييرهم مهمة أساسية في سبيل احداث نهايات التغيير المنشود.
 
 
وفي المحصلة النهائية، يمكن القول بأن تغيير النهج هو الاهم ولكن لا يغني ذلك عن حتمية تغيير بعض الاشخاص الاساسيين في طبقة الهيمنة، مع الاخذ بعين الاعتبار احتمال وجود أشخاص في تلك الطبقة يمكن ان يتم تغيير نهجهم السياسي مع ضرورة استمرارهم كأشخاص لكون اجتهادهم السياسي في ظل مشهد التعتيم والتضليل لربما قد ساهم في غفلتهم او وضع ستار بين ابصارهم وبصيرتهم.
 
وعليه، فمن الخطأ الفادح الذي يرتكبه بعض المثقفين ان يتم الحكم بشكل جماعي تعصبي دون مراعاة لتشخيص واقع ومتغيرات واقع نخبة الهيمنة وطبقاتها المختلفة والممتدة على خط طويل من طرف تلتئم فيه مجموعة العتو الى نهاية الطرف الاخر حيث يكمن تواجد بعض الوسطيين والعقلاء، فالتغيير في شكله العام ليس بالضرورة ان يكون دعوة لرفض الكل بل هو في جوهره وذاته القدرة على قبول احتواء الأغلب في سبيل مصلحة الكل.