الإمام البخاري فخر للثقافة الإسلامية
أ.د. محمد البخاري
يعتبر أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجوفي البخاري، من أعظم وأشهر المحدثين، حيث ذاع سيطه في العالم الإسلامي منذ أكثر من 1100 عام.
ولد إسماعيل البخاري بمدينة بخارى يوم 13 شوال عام 194 هجري الموافق لعام 810، وكان يطلق حينها على والده الإمام إسماعيل بن إبراهيم، لقب أبو الحسن، وكان في عصره من الملمين الكبار بالأحاديث النبوية الشريفة، وعرف باشتغاله بالتجارة، وأورد الإمام البخاري في مؤلفه «التاريخ الكبير» معلومات كاملة عن سيرة حياة والده، وذكر أن الإمام المغيره أحد أجداده كان من أوائل معتنقي الدين الإسلامي.
وتمتع المفكر منذ فتوته بذكاء حاد، وتفكير ثاقب، وذاكرة متميزة، وكان يحفظ كل ما كان يقرأه بسرعة، مع القدرة على تحليل ما يقرأه من كل الجوانب، وفي سن الـ 7 من عمره حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، وفي سن الـ 10 من عمره حفظ آلاف القصائد الشعرية، وأبهر رجال الدين في بخارى بمعارفه. وحتى سن الـ16 كان يتحدث عن مجموعات الأحاديث النبوية الشريفة المعروفة آنذاك، التي كان يحفظها عن ظهر قلب.
وفي سن الـ18 ألف كتاب «التاريخ»، وخلال السنوات التالية توجه إلى الحجاز ومصر والشام والبصرة والكوفة وبغداد وغيرها من الحواضر الإسلامية للبحث عن الأحاديث النبوية الشريفة، وفي عام 825م قصد الإمام البخاري مكة المكرمة، والمدينة المنورة، لأداء فريضة الحج.
وأثناءها جمع أحاديث نبوية شريفة، وزار المدن المشهورة في العالم الإسلامي: مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والطائف، وجدة، والبصرة، والكوفة، وبغداد، ودمشق، والقاهرة، ومرو، ونيشابور، والري. وتلقى دروساً في الأحاديث النبوية الشريفة لدى أشهر رجال الدين آنذاك، أمثال: الإمام أحمد بن حنبل، وإبراهيم بن الموزير، وعبد العزيز بن عبد الله العويسي، وغيرهم من رجال الدين الإسلامي.
وجمع الإمام البخاري الأحاديث النبوية الشريفة الشفهية من آلاف الشيوخ، الذين إلتقى بهم في مختلف المناطق والمدن التي زارها، ومن هذا المحيط الواسع جمع (800 ألف حديث شريف) اختار منها الأفضل، وبلغ مجموع ما اختاره 7397 حديثاً نبوياً شريفاً، أوردها في كتابه «الجامع الصحيح»، الذي غدا الأكثر شهرة واعتبر الكتاب الإسلامي الثاني من حيث الأهمية بعد القرآن الكريم.
واستمر عمل الإمام البخاري في جمع الأحاديث لكتابه مدة ستة عشرة عاماً، وتميز كتابه بأنه كان أول مجموعة للأحاديث النبوية الشريفة، جمعها وفق مبدأ «المصنف»، أي تصنيف الأحاديث النبوية الشريفة وفق مواضيعها.
والتسمية الصحيحة لكتابه «الصحاح» هي: «الجامع المسند الصحيح المختصر من عمر رسول الله وسننه في أيامه».
وبعد 40 عاماً من الترحال عاد الإمام البخاري إلى وطنه، وكانت بخارى آنذاك من أكثر المدن الإسلامية تطوراً من النواحي: السياسية، والاقتصادية، والثقافية، في وسط آسيا. وشيدت فيها الكثير من القصور، والمساجد، والأضرحة، والمدارس، وكان فيها سوقاً كبيرة للكتب ومكتبة مشهورة، وقصراً للأمير.
وفي مسقط رأسه جمع حوله آلاف الأتباع وعلمهم الأحاديث. ومن بينهم كان رجال دين مشهورين، أمثال: الإمام مسلم، وحتى أن الإمام الترمذي كان من تلاميذه. وعندما وصلت أخبار شهرة الإمام البخاري إلى حاكم المدينة طاهر الدين خالد بن أحمد أمر بدعوته للقصر ليعلم إبنيه علم الحديث. ولكن الإمام رفض الحضور مشيراً إلى أن «العلم لا يذهب إلى الطلاب، بل على الطلاب أن يأتوا إلى العلم»، وعندما سمع الأمير هذا أمر بطرده من المدينة. وعندها توجه إلى سمرقند، ولكنه لم يصل إليها إذ توقف في الطريق بقرية خارتانغ، حيث يعيش بعض أقاربه وأتباعه، وهناك أصيب بمرض شديد توفي على أثره عام 870م.
وترك الإمام البخاري من بعده مؤلفات كثيرة، أهمها وأشهرها كتاب «الجامع الصحيح». وأعطى فيه أهمية خاصة لتحديد الأشخاص الذين نقل عنهم وسبق وكتبوا الأحاديث النبوية الشريفة، وفي «التحقيق» استند فقط على الأحاديث التي نقلت عن أشخاص كانوا شهوداً على الأعمال التي قام بها النبي (صلى الله عليه وسلم).
وبالإضافة لذلك كان من بين الأعمال الرئيسية للإمام البخاري 23 مقالة وكتاب. من بينها: «الأسماء والكون»، و»التاريخ الكبير»، و»التاريخ الوسيط»، و»التاريخ الصغير»، و»تفسير القرآن»، و»السنن في الفقه»، و»الأدب المفرد»، وغيرها من المؤلفات. وبقيت أكثريتها حتى اليوم، وتم إصدارها أكثر من مرة في العديد من دول العالم وبعدة لغات. وإلى جانب ذلك تم نشر أكثر من مائة تعليق وتفسير لـ»الصحاح» باللغة العربية.
وكتب الإمام البخاري تستخدم اليوم ككتب تعليمية أساسية لدراسة السنة الشريفة للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في المدارس الإسلامية، ومؤسسات التعليم العالي، مثل: معهد الإمام البخاري الإسلامي في طشقند؛ وجامعة الإمام البخاري الدولية (АIU) في كوالا لامبور، وغيرها من مؤسسات التعليم العالي الإسلامية
ومن أجل دراسة التراث الغني لمؤسس علم الحديث النبوي الشريف، الذي قدم إسهاماً لا يقارن في تطوير العلوم والثقافة الإسلامية، المحفوظة، ولإغناء العالم المعنوي والأخلاقي للجيل الصاعد، أحدث بولاية سمرقند بتاريخ 23/5/2008 مركز الإمام البخاري الدولي.
كما وجرى تشييد مجمع الإمام البخاري التذكاري والمعماري الكبير، وهو المشروع الذي صمم برعاية رئيس جمهورية أوزبكستان الراحل إسلام كريموف. وشارك في بنائه أفضل البنائين والحرفيين الشعبيين من سمرقند، وطشقند، وبخارى، وخيوة، وشهريسابز، وأنديجان، وقوقند، ونمنغان. وحتى اليوم يعتبر قبر  الإمام البخاري الموجود على أراضي المجمع من أفضل الأماكن المقدسة في وسط آسيا ويقصده الزوار من كل أنحاء العالم.
وبتاريخ 21/7/2015 نظم في مكتبة علي شير نوائي الوطنية الأوزبكستانية بطشقند معرض «سلطان المؤمنين في علوم الأحاديث النبوية الشريفة بمناسبة مرور 1205 سنة على العالم الشهير الإمام البخاري».