الإمام الكبير قفال الشاشي
أ.د. محمد البخاري
 أبو بكر بن اسماعيل القفال الشاشي (903م-975م)، عالم من العلماء المسلمين الكبار في ما وراء النهر، اشتهر باسم حضرتي إمام «حظرتي إمام».
ولد قفال الشاشي في شاش (حالياً مدينة طشقند)، وحصل على تعليمه فيها، وطور علومه بعد ذلك في المراكز الإسلامية الشهيرة آنذاك في: بخارى، وسمرقند، وترمذ، ودرس مؤلفات العلماء والمحدثين العظام، أمثال: الإمام البخاري، ومحمد الترمذي، وطور معارفه في مجال الشريعة الإسلامية، وغيرها من العلوم الإنسانية.
عاش أبو بكر بن اسماعيل القفال الشاشي لبعض الوقت بمدينة سمرقند، وزار بعدها مدن الحجاز، وبغداد، ودمشق، وأدى فريضة الحج عدة مرات في مكة المكرمة.
وشارك قفال الشاشي في المناقشات التي كان يجريها كبار علماء عصره وأظهر خلالها معرفة واسعة في العديد من المجالات العلمية الإسلامية، ولهذا كان شخصية مرموقة حظيت باحترام كبير في أوساط العلماء والناس العاديين على حد سواء.
وتشير المراجع العريية إلى أن العالم الإسلامي المنحدر من شاش (الاسم القديم لطشقند) عرف باسم «الإمام الكبير». وأكد ابن خالق المفهرس العربي في القرن الثالث عشر الميلادي، على أنه لم يكن في ذلك الوقت شخصية بين شخصيات ما وراء النهر مساوية لشخصية قفال الشاشي.
وكان قفال الشاشي من الدعاة الأوائل الداعين إلى الإسلام على المذهب الشافعي في طشقند، ولم تكن إهتمامات الإمام أبو بكر بن اسماعيل القفال الشاشي محصورة بالدعوة للدين والشريعة الإسلامية فقط، بل وعرف من المصادر التاريخية أنه كان مهتماً بالشعر أيضاً، وكان ماهراً بصنع الأقفال والمفاتيح، ولهذا حصل على لقبه «قفال». وورد في المراجع القديمة أن الإمام الكبير اخترع قفلاً وزن مفتاحه 0.5 غرام، وأنه ألم بـ72 لغة، وترجم العهد القديم (التوراة) إلى اللغة العربية.
وتوفى أبو بكر بن اسماعيل القفال الشاشي في القرن العاشر الميلادي، ودفن في أرض مجمع «حظرتي إمام» في طشقند. وتهدم قبره الذي بني آنذاك بفعل تأثير عوامل الزمن والرياح، وأعاد التيموريون بناؤه في القرن السادس عشر وتحديداً في عام 1542م، وصمم البناء المهندس المعماري غلام حسين.
ويعتبر الضريح، من المنشآت المعمارية المعروفة في القرن السادس عشر الميلادي، وهو مستطيل الشكل، وتعلوه قبة زرقاء كبيرة، شيد من الآجر المحروق، وزين بنقوش تحتوي على أسماء المعماريين وتاريخ تشييد البناء. وزينت نوافذه بنقوش الغانتش الجصي التقليدية في أوزبكستان.
وضريح قفال الشاشي هو نوع من الأضرحة متعددة الغرف «خانقة» غير المتناظرة، ومرافق شاملة تشكل كلها مجتمعة المجمع المشيد، ويضم خلايا للسكن، ومسجد، وقبر، ومطعم، وغيرها من المرافق، والخلايا عبارة عن حجرات سكنية خصصت لإيواء الزوار.
وعلى جانبي قبر قفال الشاشي ممرات تؤدي إلى محراب الضريح، وفي أسفلها قبور لأبناء «الإمام العظيم»: محمد شاشي ونظام الدين شاشي. كما دفن في الضريح أيضاً محمد نومي، الذي جاء من بغداد وعاش في طشقند، ووالد محمد نومي وابن خوجة كالان. وإلى جنوب المبنى الرئيسي وفي فناء صغير توجد قبور تم الدفن فيها في الفترة الأخيرة، وأطلق عليها تسمية «ساغانا»، وإلى جانب مدخل الضريح دفن حافظ كوخاقي، وعلي كوشتشي، حفيد ألوغ بيك، الذي كان تلميذاً ومن أتباع العالم العظيم، وإلى يسار المدخل قبر الشاعر زين الدين واصفي من هيرات، وهو معلم باراك خان.
وإلى جانب الضريح يقع البيت الذي عاش فيه خوجه أحرار والي، الذي سار على الدرب الذي سار عليه قفال الشاشي، وبهاء الدين نقشبندي، والتزم برأيهم الذي يقول: لايجب على المؤمنين طلب الحسنة، بل عليهم العيش من عمل أيديهم. وكان خوجه أحرار والي أستاذاً في التصوف وشخصية دولة، ودفن في سمرقند.
ويحظى ضريح الإمام الأعظم بشهرة واسعة واحتراماً كبيراً في أوساط المسلمين من كل أنحاء العالم. ومكاناً يزوره المسلمون بشكل دائم.
وتكريماً للعالم الإسلامي الكبير أطلق اسم «حظرتي إمام» على كل منطقة سيبزار في مدينة طشقند القديمة.
وجدد الضريح مؤخراً مع الحفاظ على شكله الكلاسيكي القديم وهندسته المعمارية الفريدة، ليصبح من المعالم الأثرية الهامة في طشقند.