قراءة في تحول أردوغان المفاجئ نحو إسرائيل


تحولات مواقف أردوغان من النقيض للنقيض تماما بين عشية وضحاها ليس بالأمر الجديد والمستغرب لمن يتابع سلوك وسياسات هذا الرجل على مدار العقد الماضي. على مدار الشهرين الماضيين، دأب الرجل ليل نهار على مهاجمة اتفاقيات التطبيع الأخيرة في المنطقة، واصفا هذه الاتفاقيات بالخيانة بالقضية الفلسطينية وحقوق الفلسطينيين. مع العلم، بأن تركيا كانت أول دولة إسلامية تطبع العلاقات مع إسرائيل، بل في ظل توتر العلاقات بين تركيا وإسرائيل خلال الأعوام الماضية، لم تنقطع التبادلات التجارية والعسكرية التي تقدر بالمليارات سنويا.
بين ليلة وضحاها، أعلن أردوغان عن استعداده لتوطيد العلاقات مع إسرائيل ولا مانع من تجميل هذا الاستعداد بشرط إيقاف إسرائيل انتهاكاتها المستمرة تجاه الفلسطينيين. لكن لم يضع أردوغان وقتا طويلا حتى تستجيب إسرائيل لهذا الشرط، فسرعان ما أعلن عن عزمة تعيين سفير جديد لتركيا في إسرائيل بعد سنوات من سحب سفيره من هناك. ومن ناحية أخرى، خرجت تسريبات مؤكدة بعروض تركية لضم إسرائيل إلى الاتفاقية البحرية التي أبرمها أردوغان مع حكومة الوفاق الليبية.
هذا المشهد العبثي المفاجئ من أردوغان، يمكن قراءته من زاويتين رئيستين:
الأول- وهو الأهم بالتأكيد، هو وصول بايدن إلى البيت الأبيض. من المعروف أن بايدن كان من أكثر المنتقدين لسياسات أردوغان الداخلية والخارجية، كما أن العلاقة بين الرجلين لا تتسم بالود على الإطلاق. وجه بايدن انتقادات لاذعة لأردوغان على خلفية انتهاكات حقوق الإنسان داخل تركيا، والاعتقالات التعسفية بحق عسكريين، والتدخلات التركية في سوريا وليبيا، وتحركات تركيا في البحر المتوسط بشأن تقاسم حصص غاز المتوسط وغيرها، ولا يخفى على أحد أن تلك التدخلات كانت بدعم ضمني من ترامب. والأهم من ذلك، لم يخف بايدن إدانته العلانية لمذبحة الأرمن، وعزمه الاعتراف رسميا بتلك المذبحة حال وصوله إلى البيت الأبيض، ودعمه كذلك لموقف اليونان من القضية القبرصية.  
جملة ما سبق  يشير قطعاً إلى سيناريو مليء بالتوترات خلال عهد بايدن. أكثر ما يقلق أردوغان حقا أمرين: الأول فرض بايدن عقوبات شديدة على تركيا تنهك اقتصادها شبه المنحدر، مما يقوض شعبية أردوغان في الداخل إلى حد كبير. والثاني، هو ضياع مكتسبات تركيا الإقليمية خاصة في سوريا وليبيا. وعليه، ببرجماتية عالية جدا وجد أردوغان أن إسرائيل الوحيدة القادرة على تلطيف العلاقات التركية مع الإدارة الأميركية الجديدة، بل والضغط عليها أيضا بشأن أية إجراءات أميركية مزمعة تجاه تركيا بفضل قوة اللوبي الصهيوني والدوائر الموالية لإسرائيل داخل واشنطن.
الثاني- وهو العزلة الشديدة جدا التي تواجهها تركيا بسبب سياسات أردوغان العنترية في المنطقة. تواجه تركيا حاليا عزلة من جميع الجهات، أوروبية بقيادة فرنسا، روسية وإن كانت ليست بالقوية بسبب تدخل أردوغان في الحرب الأذربيجانية - الأرمينية، عربية - خليجية بسبب اتفاقيات التطبيع. وبالتالي، وجد أردوغان أيضا أن إسرائيل لديها مفتاح حل فك هذه العزلة، لاسيما على الصعيد العربي- الخليجي. إذ من شأن اتفاقات التطبيع سحب البساط الاقتصادي من تركيا لصالح تلك البلدان المطبعة مع إسرائيل. كسب أردوغان إسرائيل في صفه أيضا، سيمكنه نسبيا الحفاظ على مكتسباته الإقليمية بحجة التصدي للتوسع الإيراني، وكذلك من فك العزلة الأوروبية عليه، لاسيما وأنه على صعيد التوتر في المتوسط قد ألمح إلى تقديم تنازلات أيضا. 
تقارب أردوغان المفاجئ من إسرائيل، سيحل له معضلات كثيرة ليس في متسع هذه المقالة سردها تفصيلا. لكن ما يتمناه كاتب هذه السطور ألا ننخدع نحن العرب بالشعارات البراقة الزائفة، كل القوى الإقليمية لها مصالحها وأطماعها تسعى لتحقيقها على حساب كل شيء.

وطني حبيبي
كرنفال في غينيا بيساو
«30 عاماً.. ولن ننسى»