في دكار وبحيرتها الوردية


انا سفرٌ واشواقٌ وقلبٌ هايمٌ، وطيرٌ احط على اشجار الديار، مكملاً طريقي في الغرب الإفريقي ناوياً ارضاً بعيدة، اسدل شراع الرحلة، اودع ارض الموري، فتستقبلني السنغال بلاد النهر والبحيرة الزهرية ورالي داكار. في ذاكرتي عن السنغال ذكريات، هي بلد (حاج ضيوف) وفريقه الماسيّ الرايع الذي ادخلنا مغامرة مثيرة في مونديال كوريا واليابان. وهي ارض الموتمر الاسلامي الذي جاء وقتها في اشد حزن للكويت، فخرج بقرارٍ إسلامي مشهود ينبذ نظام العراق ويويد حق بلدي، هل انا ممتن لهذه الارض؟!
سنغال اسم معدّل من قبيلة امازيغية اسمها صنهاجة. وهي قبيلة امتد شانها في سالف العهد وحكمت اراضين واسعة في موريتانيا ومالي والسنغال. اعود الى هذه الارض ذات النهر المسمى باسمها، واضع راحلتي لايام. دكار مدينة عصرية برغم الفقر البادي على البشر، إلا ان الحياة تسير على انغام (ساليفا كيتا) و(سيزارا ايفورا)، والناس في طربٍ حتى في الاماكن العامة.. تجدهم يرقصون الـ «امبالاخ»، وهي رقصة شعبية يودونها باكروباتيةٍ مشوقة. سمى العرب الاولون السنغال باسم (غانة) وصارت مملكة عظيمة في حقبة من العهود. وكان يضرب المثل بها في امتداد الاسلام ابان اتساع الدولة الاموية بان الإسلام ممتد من غانة الى فرغانة. وفرغانة بلدة في شرق بلاد بخارى.. من النظرة الاولى بعد خروجي من قصر الملك فهد الذي قررت سكناً فيه وهو مجمع للموتمرات بناه العاهل السعودي على نفقته خلال الموتمر الاسلامي عام 1991، وحُوّل جزء منه الى فندق. بدت داكار قليلة الخصوبة في الاشجار وذات رمل احمر، وكانها خط فاصل بين قحالة الصحراء ووفرة الادغال.. اتخذت مرشداً من المدينة اسمه (عبدالله) وهو اسمٌ شايع في السنغال، يقول بان دكار تعني شجرة التمر الهندي (الصباره) باللهجة الولوفية. سنحت لي فرصة للتوغل اكثر في الغابات المجاورة للعاصمة، فكان وجه الارض يتجلل بالنبات والخضرة والفاكهة وفيرة، حتى توقفت عند البحيرة الوردية او (لاك لَـ غوز) بالفرنسية او (ريتبا ليك) وهي بحيرة مصبوغة بالحُمرة وكانها خجلى من قبايل الشجر وكثرة الزوار.. وربما مني، بحيرة ذات كثافة ملحيّة يفوق تركيزه البحر الميت، ويتشاطوه بايعو الملح الزهريّ، والمتجولون. اخذت قارباً لسبر العُباب الاحمر. وشهدت رجلاً يحفر في الاعماق ليخرج رزقه من الملح.. وعلى احد جوانبها ينتصب جدار ابيض يشير لبداية رالي داكار الشهير الذي تتسابق فيه السيارات والعجلات النارية في طريق يربط داكار بباريس. بعد وقت ورديّ جميل استودع البحيرة. واقضي المساء في مطعم اللاقون الذي يقدّم اللوبستر والاكل البحري اللذيذ.