لا للبكائية على الآباء


.. في ذكرى وفاتك أبي لن أبكيك
فلسفة جديدة أود عرضها في مقالي الجديد ، في ذكريات ديسمبر الدافئة التي تحمل لي في طياتها ذكرى مناسبتين متناقضتين تؤكدان أن لحظات ميلاد الفرح تنسج في السماء خيوط أكفان حبيب ذاهب، أولها : في الثلث الأول من الشهر ، وهي ميلاد زوجتي " هبة الرحمن " والثانية : في الثلث الأخير منه ، وهي ذكرى وفاة والدي.
وتتلخص فلسفتي الجديدة في ضرورة إبدال البكائيات التييمارسها الأبناء في ذكرى رحيل آبائهم وأمهاتهم ، بتصرفات عملية مع ذويهمتترجم حبنا لآبائنا وأمهاتنا، فالأب الذي توفي تاركاً إرثاً من الصفات الحميدة لأبناءه لم يمت ، ولا يستحق البكاء بقدر ما يستحق الدعاء المقترن بالبناء على تلك الصفات التي أفنى عمره يعلمها لأبناءه .
الأبناء يتباكون ويدعون ، لكني أدعوهم الآن  إلى البناء على الإيجابيات التي تركها لهم آبائهم من صفات حميدة ، وألا يكتفون فقط بالدعاء لآبائهم ، نعم " الدعاء مخ العبادة " كما قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وخير ما يقدمه الولد لوالده بعد وفاته ،  لكن كيف يٌستجاب الدعاء من ولد لأبيه في ظل انقطاعه عن أخيه أو اخته " ود أبيه وقطيعات من لحمه ودمه " ؟ كيف ينسجم ابن مع نفسه وهو بين سبيلين الأول : يتباكى فيه لفراق والده ويملأ الدنيا ضجيجاً أن والدي كان كذا وكذا ، وأن الحياة ادلهمت خطوبها بعد وفاته ولم يسد فراغه أحداً ، والسبيل الثاني :  يكون فيه قد قطع صلاته باخوته ، تراه يردد هذه الكلمات في ذكرى وفاة والده السنوية أو كلما حدث له خواء اجتماعي أو تخلى عنه الناس ، فكيف ينسجم ذلك الصنف من الأبناء مع ذواتهم ، وكيف يظن أن الله سيجيب دعواه لوالده وهو قاطع للرحم ؟؛ لذلك أدعو الأبناء الذين توفي عنهم أحد والديهم ألا يتباكون لفراقهم بل يحولوا تلك المشاعر إلى مشروعات عمل تتفقد أحوال ود الأب والأم ، وسيكون ذلك أعظم أنواع البر بهما ، فضلاً عن ضرورة البناء على صفاتك الطيبة التي غرست فيك ، من غرسها ؟والديك ، نعم لتنفع نفسك وأهلك ويسود التعامل الراقي كل أفراد المجتمع .
وأعود لذكرى وفاة والدي الذي لن أبكيه فقد كان سر سعادتي ، ولما لا وقد شربت عنه فلسفة الحياة القصيرة التي لا تستحق التباكي عليها  ، فالنفس يخرج ربما لا يعود ، فكم سنعيش مهما  عمرنا الأرض فذلك عمر قصير جداً  . كان لأبي حظ كبير من اسمه (رحمه الله)" علي" كان علي في طاعتهلوالديه  صغيراً ، وكان علي ودوداً مع أسرته كبيراً ، وكان علي شجرة استظل بها كل من عرفه ، وكان تقياً ورعاً راضياً قانعاً مكافحاً مثابراً ناجحاً ،  لن أسطر بكائية عليه في ذكراه ، بل سأدعو له مقرناً دعائي بالتواصل الذي أحرص عليه دوماً مع كل من كان يود متفقداً حاله ، وسأواصل البناء على ما علمني إياه والدي فكان مدرسة تُعلم بالتصرفات بنسبة فاقت ال95% ويترك للتوجيهات الحوارية بقية المئة .كان (رحمه الله)يضرب لنا المثل في التسامح بشكل عملي ، وفي الحرص على   النجاح ، وكسب القلوب ، وفي الحكمة ورجاحة العقل ، وفي طاعة ربه ، كل ذلك كان يسقيه لنا بتصرفات عملية أمام ناظرينا بشكل عملي ، ألا يستحق هذا النموذج المُعلم أن يكون له امتداد يبني على  صفاته الحميدة تلك ؟ لو فعل كل الأبناء ذلك وقتها سيعود بالنفع على المجتمع ونصل إلى درجة التعايش السلمي الذي يتحدث عنه كبار المفكرون في العالم ، وتُعقد له المؤسسات الأممية مؤتمرات وندوات لخصها ذلك الرجل البسيط في مشروعات عمل كانت تتحرك على الأرض لتنقل لأبناءه التربية العملية ، ألا يستحق من  أحسن اختيار الخؤولة لي أن أكون امتداداً لصفاته الطيبة ؟
لقد منحني والدي أعماماً واخوة أطهاراً طيبون مكافحون ذوي سمعة نقية وسواعد فتية من دون اختياره بالطبع لكن كان اختياره لأمي اختيار لأخوالي ، فأحسن ذلك الاختيار (رحمه الله)  ورحم أخوالي وخالاتي الأربعة الطيبون ، وبارك في أبنائهم وأحفادهم ، ورحم أخي الأكبر وبارك أبناءه وأحفاده ، ومتع الله اخواتي البنات بالصحة وبارك أبنائهم وأحفادهم  ، ورحم الله أعمامي وعماتي العشرة وبارك أبنائهم وأحفادهم  ، ومتع الحادية عشر بالصحة والعافية وحفظ ذريتها الطيبة .
     لقد منَ الله علي بوالد صالح أراه كلما نظرت إلى المرآة وأسمع صوته في صحوي ، يزورني دوماً في منامي ، وهب لي عائلة طيبة من إخوان وأخوات وأعمام وخؤولة .
أوقر الجميع وأضعهم جميعاً تاج رأسي إلى أن القى الله والتقي بمن علمني بوده لرحم أمه وأبيه أن أفعل ذلك بعد وفاته ، ولقد فعلت وأفعل بحب وسيرورة وسعادة  وأوصي أولادي من بعدي بود كل من كان يوده أبي وبالسلوك الحسن والكلمة الطيبة مع الجميع  ، فخير الناس خيرهم لأهله وشر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه .
هذا الأب يستحق  مني أن أبني على صفاته النبيلة التي علمنا إياها طوال خمسين عاماً قضاها بين إخوتي لم أعاصره سوى في ثلاثين منها ، حيث أني أصغر أبناءه ، وأرجو من الأبناء كافة أن يعمروا ذكريات وفاة آبائهم وأمهاتهم بالبناء على الحميد من الصفات التي تجرعنها منهم فهذا أفيد للجميع ، للأب المعلم وللابن المتعلم وللمجتمع عوضاً عن البكائيات أو ترديد مقولات زائفة يروجها البعض من مثل :" لا الأخ ظهر ولا الخال والد ولا العم سند  ولا الابن حصن "  ثق أنك بتصرفاتك أنت وليس أحد آخر يكن لك الخال والداً ، والعم سنداً ، والأخ ظهراً وظهيراً، ويكن ابنك لك حصن حصين ، وتذكر أن ديننا الحنيف حثنا على أن ندفع بالتي هي أحسن ونثق في جودة النتائج بعدها ، فالتقوى تُلين لك الحديد.
****شكراً أبي ولن أبكيك في ذكرى وفاتك بل الله أسأل أن يرزقك وكل الآباء الأطهار الطيبون المُعلمون الفردوس الأعلى من الجنة ، وثبت واحفظ أبنائهم وأحفادهم .. آمين .
عدد التعليقات ( 1 )
ياسركو
رحم الله آبائنا وأمهاتنا وجميع المسلمين وغفر لهم جميعا .. مقال جميل نابع من القلب لانه دخل القلب مباشرة .. الكاتب جزاه الله خير جمع في مقاله بين ذكرى ابيه والعرفان والشكر له وبين اعطاء نموذج عملي في كيفية استغلال الفرص لا لمصمصة الشفاه بل للعمل والتفكير.. سلمت يداك . المقال الوحيد الذي قرأته كاملا لما فيه من بساطة وحلاوة وكلام نابع من القلب .. كما اشكر الكاتب على اختياره لعنوان المقالة التي توحي في بدايته بالاستغراب .