الخوف على الديمقراطية أهم من الخوف من «كورونا»


أثيرت في الأونة الأخيرة في دول العالم أخبار تحدثت عن إمكانية إجراء التصويت في الانتخابات القادمة الكترونياً، وذلك بسبب وجود عدوى وباء «كورونا»، وهي فكرة لها بريقها وقيمتها إذا ما كانت هذه الانتخابات ستجرى في ظروف مماثلة بعد 200 عام من الآن، لأنه هذا هو الوقت الذي سنراهن على حدوث هذا الأمر، لكن وبما أننا مازلنا صوب شتاء 2020، فإن تناول المسألة بهذه الصور، من لغو الحديث، لأن العملية الانتخابية برمتها تعكس مجموعة الحقوق التي يحوزها مواطنو الأمة في اختيار النواب الذين يمثلونهم، ماذا لو اختلط الحابل بالنابل على الإخوة الناخبين وتم تفويت الفرصة عليهم لاختيارتهم وممارسة حقوقهم، ووقع ما لا يحمد عقباه وتم تزييف إرادتهم ليس إلا عن عدم معرفة لآليات التعامل مع الوسائل التي يتم بها التصويت، ليكتشف في نهاية المطاف أن هؤلاء الذين صوتنا لهم، ليست هي الوجوه التي ستظهر في مجلس الأمة، ما زال الحديث عن تصويت إلكتروني مسألة تحتاج إلى سنوات طويلة من التطوير الشامل لكل أفراد المجتمع والذين يستوعبون أن ممارسة العملية الانتخابية من الحقوق القويمة للأفراد في الأمة، والتي تشير إلى وجود النزاهة في إدارة صناديق الاقتراع، والحنكة الإدارية للإشراف على العملية الانتخابية.
إن التخوف من عدوى «كورونا»، أقل خطرا من التخوف على إضاعة حقوق المواطنين لممارسة حقوقهم السياسية، لأن العملية الديمقراطية هي مستقبل الأمة، وعدوى «كورونا» إلى زوال مهما طال به الأمد، ومهما كانت التحديات والصعاب والعراقيل، وتستطيع تقديم الحلول من خلال إطالة فترة العملية الانتخابية، واتخاذ التدابير الصحية المشددة، والقيام بمراقبة التباعد الاجتماعي بكل حرص، حتى تتمكن الأمة من التعبير عن إرادتها وأن تبين للعالم مدى حرصها على رصيدها السياسي أمام دول العالم ومدى قدرتها على إدارة الانتخابات، رغم وجود هذا التحدي الذي نخشاه جميعا، لكن تجربة الدول الأخرى تشير إلى أنها فضلت أن تتم عملية الاقتراع بشكل متواتر عليه في السنوات السابقة، ولم تلجأ إلى التصويت الالكتروني، وقد ألغت فرنسا في مايو 2020، الانتخابات البلدية بعدما كان مقررا القيام بها الكترونيا، واتخذت السبل الأكثر تأمينا للمواطنين حتى يتم لهم ممارسة حقوقهم الانتخابية، بالصورة المتعارف عليها، خوفا من التلاعب في إرادة المواطنين والتي هي بمثابة الانتحار السياسي لمستقبل الديمقراطية في الدول التي كانت تفكر في اتخاذ التصويت الالكتروني نهجا لحل أزمة انتشار الوباء، لكن الحرص على حقوق المواطنين كان أهم من الخوف من العدوى.