غيبوبة القرن الواحد والعشرين


حاولت أفكر وأتدبر في بعض ظواهر الضعف والخلل في المجتمعات العربية، ارتأت نفسي الى الكشف عن الداء، فأدركت إن الفرق بين مجتمعنا العربي والمجتمع الأوروبي، يمثل في أننا مجتمع مستقيم ظاهرياً ومنحرف باطنياً، نحفظ الشرائع والعقائد ولكن الغالبية منا لا يحترمون القانون ولا يفهمون معنى العدل، ننادي بالحقوق على المنابر، وأمام شاشات التلفاز وفي الغرف المغلقة ندعم العنصرية، وندحض ما ننادي به من حقوق، ونملك بلاغة الكلمة وتراثها ولكننا لا نحترمها.
فيما نرى المجتمع الغربي والأوروبي بصفة خاصة، منحرف ظاهريا ومستقيم باطنياً، لا يكترث بالشرائع ولكنه يفهم قيم العدل والعدالة، والحقوق العامة جزء من كيان مؤسساته وسياج يحمي التنمية والاستقرار والنمو داخله، الكلمة لهم تعني بعد اجتماعي واقتصادي والوقت لديهم يمثل قيمة حقيقة.
إن الله بصفته العادل قد وزع الأرزاق القدرية على مخلوقاته لكي يبتلينا نحن مجتمع الإسلام بما يختبر عزائمنا ويرتب منازلنا في يوم الحساب، فقد رزق المجتمعات الفقيرة بالعلم والغنية بالضعف، والقوية بضعف الإيمان، والمؤمنة بالابتلاءات الطبيعية، حبانا الله أمة العرب بسيادة الديانة الإسلامية وحبا الله العجم بتطبيق بعض القيم الإسلامية في تعاملاتهم العامة من دون أن يعلمون، وأستدل على ذلك بسؤال رجل للأمام شافعي رحمه الله عليه.
حيث قال يا أبا عبد الله، أيُّما أفضل للرجل: أن يمكن أو أن يبتلى؟ فقال الشافعي: لا يمكَّن حتى يبتلى، فإن الله ابتلى نوحاً، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمداً صلوات الله وسلامه عليهم، فلّما صبروا مكّنهم، فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم البتة. ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله منها المخرج.
إن مجتمعنا العربي مصاب بفيروس التناقضات الكبيرة والغريبة ، فبعض دارسي الدين يقطعون الرحم ويأكلون الحقوق، ويفسدون في الأرض، وبعض ممثلي المؤسسات الحقوقية ينتهكون الحقوق ويدعمون الفساد والظلم ، وبعض المدرسين والاباء يستسهلون الكذب وأصبحوا قدوة سيئة للأبناء والطلبة، وبعض دعاة الإسلام يقولون ما لا يفعلون وفي كل وادي يهيمون، وبعض أشباه الرجال يتكئون على نسائهم، ويلقون عليهن المسؤوليات الذكورية، وبعض الصحفيين، يكسبون قوتهم من الكذب وخلق الإشاعات وتدليس الحقائق، وبعض المحامين يكتمون شهادة الحق ويخونون الأمانة، ويناصرون الفاسد أو الظالم، إنها هي غيبوبة القرن العشرين.
إن الازمات السياسية والاقتصادية التي تصيب معظم الدول العربية وليدة وبلاشك الانهيارات الاجتماعية والاغتراب الفكري، والتخبط الثقافي والانفصال التام بين مضمون الأقوال وواقع الأفعال.
ولعلي تذكرت هنا قوله تعالى
في الأية 59 من سورة القصص «وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ» وللأفكار ثمرات مادام في العقل كلمات وفي القلب نبضات، مادام في العمر لحظات.