رحمك الله يا والدي الشيخ صباح الأحمد.. وعد علينا أن نحمل إرث إنسانيتك


رحم الله والدنا الشيخ صباح الأحمد الصباح أمير بلدنا وأسكنه واسع الجنات، لم يكن سمو الشيخ صباح الأحمد حاكماً فحسب بل كان أباً لجميع الكويتيين، يجمع شملهم ويشتملونه ويخاطبهم ويخاطبونه بكل أريحية وارتياح، للكثير من الكويتيين قصة معه، لأنه كان وبكل تواضع يتعامل معهم ويتحدث اليهم بتلقائيته وبدون حواجز وكأنه يعرفهم منذ فترة طويلة، لقد عرف الكويتيون الشيخ صباح رحمه الله في عدة منازل ومنازلات، في الأزمات والأفراح السياسية، وفي الحرب والسلام، وفي القديم والحاضر، حيث عصارة اجيال عدة منذ أن تولى المناصب الحكومية في الخمسينات أي قبل سبعين عاما تقريباً.
من جالس الشيخ صباح غفر الله له ورحمه، يعرف تماماً تلك التلقائية في الحديث والتواضع في المجلس والغزر في الحكمة.
كسائر الكويتيين، بالنسبة لي، لم يكن الشيخ صباح الأحمد سمو الأمير الراحل حاكماً فحسب بل أباً حنوناً ووالدا عطوفاً، لقد كنت كسائر المواطنين في الكويت يتمتع بعلاقة وطيدة مع مجموعة من أبناء أسرة الحكم الكريمة، لا أزال اتذكر مذ كنت صغيرا، حيث أرافق جدتي ووالدتي إلى قصر الدعية لزيارة والدتي الثانية الشيخة فتوح الحمود في بيت والدتها حصة المبارك رحمهم الله، وقد كان الشيخ صباح يتواجد أحياناً فكان تلقائياً في كلامه وجنوحاً للمداعبة الوديعة منذ تلك الفترة، وبعد سنوات طويلة، التقيته مرة أخرى في معية بعض أعضاء هيئة التدريس في عام 1996 بمكتبه في وزارة الخارجية بشأن أحد المواضيع التي تخص الجامعة فكانت تلك السجية حاضرة دون حواجز، وفي كل مرة كنا نلتقيه كانت صفة التلقائية متلازمة معه ولا تفارقه، وعلى الرغم من اعتراكه للسياسة ودروبها الوعرة ومغامراتها الخطيرة، إلا ان ذلك لم يطغى على تلك الصفة التي رسمت احد أهم ملامح شخصيته القيادية لذلك، كان جديرا بأن يلج في قلوب الكثير من القادة والشعوب بسهولة وسلاسة ووقار.
اذن، تلك الصفة التي تلازمه لم تتصنعها متطلبات السياسة بل هي وليدة طبيعته الإنسانية التي تحولت الى احدى سمات الكويت الحضارية، هكذا استطاع ان يكسب سياسياً، بأنسانيته المعهودة، وهذا نادرا ما يحدث مع الزعماء السياسيين إلا العظماء منهم، فحتى مع خصومه لم يكترث بغضبهم او بكلامهم بل واجههم بدبلوماسية الابتسامة التي يعرف كنهها إلا من هو قباله سواء كان خصماً او صديقاً، ونتذكر جيدا حينما استشاط غضباً احد اركان النظام البعثي البائد في مؤتمر القمة العربي بدولة قطر، حيث صرخ وارعد وأزبد، كان رد الشيخ صباح عليه بتلك الابتسامة التي كانت تحمل دروساً له في أدب الحوار والدبلوماسية والترفع عن الموبقات السياسية، هكذا كان الشيخ صباح الاحمد مدرسة في الدبلوماسية الإنسانية سيحمل إرثها ابناء هذا الوطن العزيز.
لن ننساك يا ابا ناصر، نم قرير العين فأبناؤك سيحملون ارثك هذا في سبيل وطن حمله قلبك الكبير وطاف به عبر الزمن بحوادثه ومتغيراته ولكنه لم يتغير في تلقائيته وإنسانيته، رحمك الله يا والدي، سنفتقدك كثيراً، ولا حول ولا قوة الا بالله، وإنا لله وإنا اليه راجعون.