المثقف المنافق والسياسي الفاسد.. هش بش


من أشهر قصائد المتنبي هو ما قاله في مجلس سيف الدولة الحمداني
يا أَيُّها المُحسِنُ المَشكورُ مِن جِهَتي… وَالشُكرُ مِن قِبَلِ الإِحسانِ لا قِبَلي
ما كانَ نَومِيَ إِلا فَوقَ مَعرِفَتي…
بِأَنَّ رَأيَكَ لا يُؤتى مِنَ الزَلَلِ
أَقِل أَنِل أَقطِعِ اِحمِل عَلِّ سَلِّ أَعِد…
زِد هشَّ بشَّ تَفَضَّل أَدنِ سُرَّ صِلِ
ومن المعروف أن المتنبي على علو بلاغته ووسع ثقافته، إلا أنه كان يجسد شخصية شاعر البلاط الذي يهوى المال والقناطير المقنطرة، فيقول على مقدارها مما يكتنزه شعره. وفي الأبيات السابقة وخاصة في البيت الأخير منها كلمات ذات معاني تدل على مبتغياته من جواري وقطع أراضي ودراهم ودواب، إلا أن مفردتي هش وبش قد أتيا في سياق التعظيم لسيف الدولة والتحقير للحضور والنَّاس في سبيل أن يحصل على مراده. فهش كلمة عادة ما تستخدم لهش الغنم بالعصا وبش تفيد الابتسامة والبشاشة وبذلك فهو كان يريد أن يحصل على مبتغياته حتى لو كان ذلك بتحقير نفسه والآخرين من حوله، حتى قيل إن أحد الحضور (ويبدو انه منافق آخر) قد استغل هاتين المفردتين فقال لسيف الدولة هش وبش، ثم قهقه ضاحكاً ففهم سيف الدولة ما يريده فأمر له بالعطايا!
المثقف المنافق هو الذي يجعل قلمه يداعب شهوة المتنفذ لكي يستهل منها أكسير حياته المتلونة حتى لو قبل أن يكون كالأنعام يهش عليه بالعصا ويبش عليه بالضحك، هذا هو تعريفه بكل بساطة وبأقل ما يمكن وصفه. أما السياسي الفاسد فلا تعريف له لأنه معرّف معروف والبعرة تدل على البعير. طوال التاريخ البشري تظهر شخصية المثقف المنافق أحيانا على شكل رجل علم أو رجل دين أو شاعر، فجميع هؤلاء لا يخرجون عن نطاق شخصية المهرج في بلاط السلطان المعتاشين على الهش والبش. في الآونة الأخيرة لم تكتف الساحة بمثل هؤلاء المثقفين المنافقين، بل خرج علينا مثقفين مزيفين ومنافقين!
هؤلاء تزينوا بشهادات وهمية أو خربوطية، وكل ما يفعلونه هو قراءة الصحف من هنا وهناك والاستماع إلى بعض الفضائيات الساعية لجذب الجمهور، ومن ثم يدخلون إلى سوق السياسيين الذين أكثرهم من الفاسدين.
الحقيقة التاريخية الراسخة، تتجسد في معادلة بسيطة وهي، أن كل أمة حاربت أو استهدفت مثقفيها الحقيقيين سيكون مصيرها الانحطاط والتراجع، لأن هذه النخب تمثل عقلها بينما يمثل السياسيون وغيرهم أطرافها وعضلاتها. والأمة التي يذهب عقلها لا يمكن الانتفاع بأي طرف منها مهما بلغت قوته وجبروته. وخلال ذلك، يمثل المثقفون المنافقون فيروسات وأمراض وأوبئة تقتاد وتهاجم أنظمة المناعة الثقافية والأخلاقية التي بمجرد أن تمرض تفقد الأمة أهم مقوماتها المتمثّلة بالطاقة المتجددة التي تصنعها العقول.
في محيطنا العربي وموقعنا الخليجي ومربعنا الكويتي، كثر المنافقون المثقفون والمنافقون المزيفون، وأصبحت الساحة لهم مرتعاً في ظل رعاية السلطات الرسمية وغير الرسمية. فلقد أحاط كل سياسي نفسه بجوقة من هؤلاء المنافقين لكي يسحروا أعين الناس، بينما يقف المثقفون الحقيقيون والعلماء والأكاديميون الشرفاء الذين لم يرضوا وضع ضمائرهم في أسواق البيع والشراء، يقف هؤلاء على قارعة الطريق دون أدنى اعتبار لهم، بل بمحاربتهم وتهميشهم واستهدافهم وإلحاق شتى أنواع الضرر بهم!
فكم من واحد نراه في الفضائيات والصحف ووسائل التواصل الاجتماعي يقبل الهش والبش عليه، في سبيل أن يحظى بدراهم ودنانير السلاطين والمتنفذين على حساب الأمة والمظلومين والمنكوبين، فيدوس بقدمه على الحق كما تدوس الأغنام على روثها.
عدد التعليقات ( 1 )
د. ناديه هادي
كلام صحيح بالصميم قواك الله