الصراع الفكري


الصراع الفكري مع الأسف الشديد بدأ يتغلغل إلى الصراع السياسي لدى البعض، فتكون النتيجة الجدل العقيم وخاصة مع ظاهرة جديدة طرأت وهي الجدل بالصراخ ورفع الصوت وكأن المجادل يقول رأيي ورأيكم فرضا موجبا.
المفكر الجزائري مالك بن نبي كتب في تحليل له عن مشكلات العالم الإسلامي وأنماط تفكير العقلية الغربية التي تؤثر بالعالم الإسلامي.. وكتب عن الصراع الفكري وكيفية تسلله إلى الضمائر وتحطيم الأفكار المعارضة؛ فالصراع الفكري لا ينطلق من فراغ، بل من أهداف محددة وفق منهج معين يتيح لمن يقود هذا الصراع لتحقيق أجندته تنفيذ خطته بكل دقة، يكشف عن ذلك طريقته في التأثير في جميع الإمكانات المتاحة في خدمة أهدافه، بناء على مبدأ الفعالية الذي يستغل البعد العملي لأي وسيلة متاحة في ميدان السياسة والانتفاع من نتائجها، حيث تصبح الأفكار بكافة أنواعها مهما كانت تافهة أو عكس ذلك هي مسخّرة لتكون وسائل افتضاض الضمائر والعقول، كما أن القاعدة العامة في الصراع الفكري تتمثل في الآتي: "إن كل فراغ أيديولوجي لا تشغله أفكارنا ينتظر أفكاراً منافية معادية لنا"، وانطلاقاً من هذه القاعدة كما يرى مالك بن نبي، فالمتخصصون في الصراع الفكري لا ينتظرون وقوع الفراغ الفكري لاحتلاله، بل يصنعونه هم وربما يشغلونه مؤقتاً بأفكار سواهم حتى تنتهي في مرحلة أولى عملية الفصل عن الأفكار المنبثقة من مبدأ الأمة المحققة لوحدتها وبنائها بتلك الأفكار الوسيطة، وذلك لكي يظل النشاط في فوضى لا يقوم معها إنتاج أو توجه سليم نحو الهدف.
وإذا كان المقصود الأول في عملية الصراع الفكري هو إفساد النشاط عن طريق تعطيل الأفكار؛ فإن العمل لتحقيق ذلك ينصب على كل جهة يمكن أن تحقق ربط الفكر بالنشاط، فالصراع الفكري ينصب من جهة على الأفكار الممثلة لمبادئ الأمة والمحققة للبناء والوحدة لإبطال مفعولها، ويتمثل ذلك في:
• استثمار الفراع الفكري والعمل على إيجاده إن لم يكن موجوداً عن طريق إشاعة الأفكار والمذاهب الغريبة.
• الفصل بين المبدأ الذي تدين به الأمة وواقعها.
• تأييد الأفكار الخاطئة والمساعدة على إشاعتها.
• تحويل الأنظار عن الأفكار الصحيحة أو إدخال بعض التعديلات التي تحرفها عن مقصودها.
هذا على مستوى الفكرة.. أما الصراع الفكري باتجاه الفرد صاحب الفكرة فله سبل متعددة يسلكها لكي يبطل جهود هذا الفرد أو المجموعة التي تحمل أفكارها لإرشاد وتوجيه الأمة.. هذه الوسائل تتمثل في الآتي:
• تحطيم هذا الفرد أو المجموعة بواسطة التضييق عليهم ومطاردتهم.
• عزلهم وإثارة الجماهير ضدهم.
• إضافة أفكار إلى أفكارهم تبطل مفعولها أو تحرفها عن وجهها الصحيح.
وبإسقاط كل ذلك على مستوى المجتمع في هذا الصراع الفكري فأهم وسيلة يملكها المخربون لشل نشاط المجتمع وإبطال مفعول الأفكار في توجيه حركته واستمرارها هي تفتيت وحدته الشاملة وإحلال وحدات جدل جزئية محل الوحدة الشاملة، وهذا يحقق له هدفه من ناحيتين:
• تخفيض مستوى الأيديولوجية المحرّكة للمجتمع، وتشتيت الصفوف وتمزقها وتناحرها فيما بينها بدلاً من اتجاهها جميعاً إلى البناء والتغلب على المشكلات الأساسية.
هذا التحليل القيم إذا ما طبقناه على الواقع المعاصر لمجتمعاتنا الإسلامية وما يدور فيها منذ عامين على وجه التحديد وتكثف منذ سقوط البرجين المشؤومين، وتفاقم بعد استسلام بغداد قهراً ومؤامرة وخديعة وشراء للضمائر. سنجد أنه متمثل في هذا التناحر العنيف بين مختلف التيارات، والهجوم الواضح هو على (الدين الإسلامي وتشريعاته) سواء على مستوى العقيدة أو على مستوى العلماء أو على مستوى المؤسسات في المجتمع.
والقنوات الفضائية أسهمت في تحقيق وتلميع النماذج السيئة من بعض من يُطلق عليهم المثقفون الذين يهاجمون الدين الإسلامي بعنف لا يقل عن مستوى أعداء الدين من غير المسلمين ويستخدمون أساليب هذا الاستعمار الجديد الذي يتسلل كالأفاعي إلى تلافيف الفكر ونماذج السلوك كي يتحقق الهدف الذي تم التخطيط له منذ اجتماعات بازل في سويسرا.. لتسود هيمنة الصهاينة على مقدرات الشعوب وتتمدد خارطة ما يقال إنها "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات.
الصراع السياسي أصبح لعبة للصهاينة لتخريب عقول الشباب.