الخمر.. والفساد


عندما تكثر الأزمات وتتضخم نتائجها نرى نتائج غير متوقعة، ويحكي لنا التاريخ على أن قيصر الرومان عندما هددت شعبه مجاعة بنى لهم حلبة مصارعة ضخمة "الكوليزيوم" حتى يوجههم ويحجب عنهم مشاكلهم الحقيقية، التاريخ لم يتغير كثيرا فحتى دوريات كرة القدم أصبحت تلعب اليوم نفس الدور، فعندما تكثر المشاكل والأزمات تجد الحكومات دائما حلا بتوجيه أنظار الشعب إلى شيء آخر.
وبعد تداول وسائل التواصل وتكرار تناقل كلمة "الديرة.. ناشفة"، جاءت جريدة السياسة وبصورة واضحة بصفحتها الأولى لتعلن أن زجاجة "الريد ليبل" اللي سعره دينارين وصل إلى مئة وأربعين دينارا والمحلي وصل عشرة دنانير.. وأوضحت أن نتائج هذا الفعل ترتب عليه من بداية الأزمة إلى الآن فقط (378) شخصاً وافتهم المنية نتيجة تعاطي المخدرات و(1844) أدينوا بقضايا جلب وتعاطي وحيازة مخدرات، هذا بخلاف من لم يتم مسكهم، وانتشرت تجارة المصنَّع محلياً عالية الخطورة، مثل (الكيميكال والشبو) والخمور المصنعة كبدائل في تغطية طلبات الاستهلاك التي كانت تغطى بالخمور المهربة، وانتشر بين الشباب والشابات تعاطي المؤثرات العقلية بمختلف مسمياتها.. أو عقار "ليريكا" المخصص للصرع، حيث وصل الشريط إلى ثلاثين دينارا.
كل هذا جعل الآلاف من المواطنين خاصةً أبناء الطبقة الفقيرة والمتوسطة الذي يستهلكون الخمور بحالة ذعر على أنفسهم.. وعلى أبنائهم الذين بلا شك اتجهوا إلى البدائل القاتلة وهي الخمور المحلية.. والمخدرات لاستحالة قدرتهم على شراء الخمور الأصلية والتي ارتفعت أسعارها بصورة خيالية، حيث أصبح الموت والأمراض الخطيرة محل توقعهم المستمر وقلقهم الدائم، نظراً لتسارع وكثرة حالات الوفاة، والإصابات الخطيرة المتعددة آخرها وفاة خمسة شباب في الجهراء وإصابة اثنين بالعمى.
وإن كانت مكافحة المخدرات والتوعية بأضرار الخمور هو مطلب ديني وقانوني وأخلاقي واجتماعي، وإن تركها بدون تنظيم يؤثر على هيبة الدولة والقانون لما لها من آثار كارثية على الأفراد والمجتمع.
لكن السؤال الأهم: من يقوم بجلب الخمور والمخدرات؟ وتحت أي غطاء تدخل البلد؟ ومن يستفيذ منها؟ ومن يملك الوسائل لتحريك السوق السوداء؟ وما هي طرق الجلب والتخزين والتوزيع؟
نحن اليوم نحتاج الى الإجابة على تلك الأسئلة، لمعرفة المصدر أو المصادر والمستفيدين الأوائل، أما غيرهم فمجرد موزعين أو مستهلكين، ومن هم وراء انفجار هذه الأزمة وظهورها على السطح بشكل مخيف.. مع كل أزمة سياسية أو قانونية تتعلق بجرائم الفساد على مختلف أنواعها ومسمياتها.. وهل هناك ارتباط؟ أسئلة مهمة الإجابة عليها قد تساعد في إنقاذ كثير من الأرواح وتصلح حال العديد من الشباب والأُسَر.. والله من وراء القصد.