الإسراف ومحاسبة النفس عند التقصير. أين نحن منهم؟


روى ابن عساكر عن إبراهيم المهدي قال: كنت يوما عند الرشيد فدعا طباخه فقال: أعندك في الطعام لحم جزور؟
قال الطباخ: نعم يا سيدي، عندنا ألوان منه، فقال أحضره مع الطعام.
فلما وضع بين يديه أخذ لقمة منه فوضعها في فيه (فمه) فضحك جعفر بن يحيى! فترك الرشيد مضغ اللقمة وأقبل عليه فقال: مم تضحك؟
قال جعفر: لا شيء يا أمير المؤمنين، ذكرت كلاما بيني وبين جاريتي البارحة، فقال الرشيد بحقي عليك لما أخبرتني به.
فقال جعفر: حتى تأكل هذه اللقمة، فألقاها الرشيد من فيه وقال: والله لتخبرنّي.
فقال جعفر: يا أمير المؤمنين بكم تقول إن هذا الطعام من لحم الجزور يقوم عليك؟ ـ أي كم تظن تكلفته عليك ـ.
قال: بأربعة دراهم. قال جعفر: لا والله يا أمير المؤمنين، بل بأربعمئة ألف درهم!
قال الرشيد وكيف ذلك؟ قال جعفر: إنك طلبت من طباخك لحم جزور قبل هذا اليوم بمدة طويلة، فلم يوجد عنده، فقلت: لا يخلونّ المطبخ من لحم جزور.
فنحن ننحر كل يوم جزوراً مذ ذاك لأجل مطبخ أمير المؤمنين، لأننا لا نشتري من السوق لحم جزور، فصرف في لحم الجزور من ذلك اليوم إلى هذا اليوم أربع مئة ألف درهم، ولم يطلب أمير المؤمنين لحم جزور إلا هذا اليوم!
قال جعفر: فضحكت لأن أمير المؤمنين إنما نال من ذلك هذه اللقمة، فهي على أمير المؤمنين بأربعمئة ألف!
قال الراوي: فبكى الرشيد بكاء شديدا، وأمر برفع السماط من بين يديه، وأقبل على نفسه يوبّخها ويقول: هلكت والله يا هارون ولم يزل يبكي حتى أذن المؤذنون لصلاة الظهر، فخرج الرشيد فصلى بالناس، ثم رجع يبكي حتى أذن المؤذنون لصلاة العصر!
وقد أمر بألفي ألف تصرف إلى فقراء الحرمين، في كل حرم ألف ألف صدقة، وأمر بألفي ألف يتصدق بها في جانبي بغداد الغربي والشرقي، وألف ألف يتصدق بها على فقراء الكوفة والبصرة!
ثم خرج إلى صلاة العصر ثم رجع يبكي حتى صلى المغرب، ثم رجع، فدخل عليه أبو يوسف القاضي فقال: ما شأنك يا أمير المؤمنين باكيا في هذا اليوم؟
فذكر أمره وما صرف من المال الجزيل لأجل شهوته، وإنما ناله منها لقمة، فقال أبو يوسف لجعفر: هل كان ما تذبحونه من الجزور يفسد أو يأكله الناس؟
فقال: بل يأكله الناس، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بثواب الله فيما صرفته من المال الذي أكله المسلمون في الأيام الماضية، وبما يسّره الله عليك من الصدقة، وبما رزقك الله من خشيته وخوفه في هذا اليوم، وقد قال الله تعالى «ولمن خاف مقام ربه جنتان»!
فأمر له الرشيد بأربعمئة ألف، ثم استدعى بطعام فأكل منه فكان غداؤه في هذا اليوم عشاء.

أغاني المهرجانات
الصراع الفكري
مهارات أصول التربية