الغزو الذي أفسد العقول!


لا شك في أن الغزو العراقي الصدامي في عام 1990 قد أورث آثارا كثيرة، منها ما هو مادي تم التغلب على أغلبه، في حين أن التركة الثقافية التي خلفها الغزو لا تزال عالقة في العقول حتى أفسد منها الكثير.
إن كل المجتمعات والدول التي عانت الحروب، وبوجه خاص تلك التي خضعت لتجربة الاحتلال والتنكيل والترهيب، قد ارتسمت على حدود ثقافتها لوحات فكرية وانطباعات نفسية ومدركات معرفية انعكست على السلوك الفردي والاجتماعي.
والمكتبة الكويتية، وبكل أسف، فقيرة في الأدبيات التي تناولت تشريح الموروث الثقافي والفكري والنفسي الذي أعقب الغزو الغاشم بشكل علمي فاحص دقيق. ولعل ضيق فسحة الحرية المتاحة لمثل تلك الأطروحات هي أحد أسباب ذلك الفقر، فضلاً عن عدم وجود التشجيع الرسمي لبحث هذا الموضوع الذي يبدو انه حساس لدى بعض طبقات السلطات الرسمية والشعبية. دع عنك، السؤال الفصل المتمثل في... لماذا حدث الغزو ومن هو المسؤول عنه؟ فهذا السؤال قد انطوى بحثه في طيات ملف لجنة التحقيق البرلمانية في مجلس 1992 التي اجتهدت بحدود «إذا أردت أن تطاع فاطلب المستطاع»! هذا ليس ما نود الإشارة اليه باستحياء نظراً لوجود ذات المحددات التي وضعت أطر التحجيم على عقول البعض الذي حاول ملامسة خط التماس!
ولكن بعد مرور ثلاثين عاماً أجد من الضرورة أن يتم استعراض بعض الأفكار المتناثرة حول الآثار الثقافية والسلوكية التي أورثها الغزو وطريقة التعاطي معها، طالباً ممن قد يغضبه كلامي أن يتحلى بالتسامح وغض النظر بعد «النظرة الأولى» المباحة إلى وجه عروس الخليج وهي تدمع في هذه الذكرى المؤلمة!
إن التمييز «غير المتعمد» بين الكويتيين الذين غادروا البلد إبان الغزو ونظرائهم الذين مكثوا صامدين، والتناسي غير المتعمد أيضا للشهداء الذين أريق دمهم الطاهر تضحيةً للكويت وعدم ذكر أسمائهم في الشوارع والمدارس وغيرها بينما يتم تقديم غيرهم من مواطنين لم يعانوا ذات التجربة القاسية، وعدم محاسبة من اعتدى على المال العام في فترة العدوان القاسية بينما تتم مراقبة شاب أرهقته عتمة المستقبل فناح بكلمات فضفاضة على صفحة وسائل التواصل الاجتماعي فعوقب بالسجن أو الغرامة المالية، وغير ذلك من تركات لها وصلاتها في إرث الغزو، كل ذلك لعله قد أوجد لدى البعض أو الكثير ما يسمى «بالدولة المؤقتة» التي قارب معناها الفنان عبدالحسين عبدالرضا في حواره مع الفنان خالد العبيد في مسرحية «سيف العرب» حين قال الأول للأخير ما مفاده: (قلنا لكم خل نطلع ما طعتوني، ثم قال «الغزو الياي») مشيراً بشكل مبطن إلى تعلمه درسا مهما من هذه التجربة ما يجعله متحيناً لاغتنام الفرصة في الغزو القادم!
إنه الدرس الذي يلخص مشهد ما بعد الغزو، حيث دأب المقتنصون للفرص أن يطبقوه عملياً، حتى انتشرت روائح الفساد التي نشهدها اليوم.
بهذه الكلمة العابرة في ذلك المشهد الطويل لخص الفنان عبدالحسين عبدالرضا أهم مكنون قد راود ولا يزال يراود البعض في أن التضحية والصبر والتميز والتمسك بالصلاح والأمانة لا نفع منها في مقابل التصفيق والتقريب والمباهاة بالمفسدين والوصوليين والمتزلفين!
بهذه التركة لا شك أن تتنامى في منابت العقول جذور الفساد التي ما تلبث إلا أن تترجم نفسها على سلوك فعليّ أخذ حاصله على مستويات كثيرة. لربما ينكر البعض تلك المشاهدات أو يستصغرها أو يستنكرها، لكنها في حقيقة الأمر لا يمكن التغافل عنها بعد ثلاثين سنة ونحن نرى استشراء فساد العقول في السياسة والاقتصاد والتعليم، إلى جانب انحدار خطير في القيم الوطنية.
إن ظواهر الفساد وملفاته المتضخمة والمتوالية التي يتم التعاطي معها لم تولد من العدم ولم تظهر بصورة مفاجئة، بل كانت محتضنة في ثقافة نفعية انتهازية روت قناعاتها من تلك البيئة التي أورثها الغزو وطريقة التعاطي معه ومع ما تبعه من ظواهر وإرهاصات سياسية تجسدت في أشكال عديدة في السلوك السياسي للأفراد والتيارات والقيادات، وكذلك لدى بعض الممثلين عنهم في المؤسسات الرسمية والمدنية. لقد أضعنا فرصة حقيقية في مشروع بناء دولة مؤسسات، ولم نستثمر الوقت والحدث في تعزيز ثقافة تنموية ووطنية جديدة، بل لم يتوقف الأمر عند حد ذلك الخسران المبين، وإنما تركنا المجال مفتوحاً لنشر ثقافة أنانية جشعة تحت مبرر مقولة «من صادها عشى اعياله» التي أفسدت العقول وسارت بنا للمجهول.