استثمار خبرات المتقاعدين.. ثروة للوطن


عندما نتكلم عن فئة المتقاعدين من آبائنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا الكبار، فإننا نتكلم عن إنجازات قدمت للبلاد من خلال سنين من العمل المتواصل لأجل البلاد والعباد، وتقديم أفضل الخدمات في كافة الأصعدة والمستويات. إن للمتقاعد شأن كبير ومكانة مهمة واعتبارات كثيرة من خلال العطاء في سنوات وسنوات متواصلة، تباينت هذه العطاءات ولكن تساوت بأنها كانت تحت مظلة العمل بكافة أنواعه، فتم اكتساب الخبرات، ورجع ذلك على الوضع العام فصارت تكتسب بشكل أكبر وأقيم، تكتسب ممن اكتسب الخبرات في السابق ومشي على طريق تطوير هذه الخبرات بعد استخدامها لسنوات، واليوم الكويت تحظى بالكثير من المتقاعدين الذين مضوا معظمهم بما لا يقل عن ثلاثين سنة عمل، وقرر معظمهم أن يستريح بعد المشوار العملي الطويل من عناء العمل والالتزام الرسمي، ولكن سرعان ما يحن معظم المتقاعدين للعمل من جديد، وهنا نجد بأن الوضع يختلف، ليس لعدم وجود شواغر عمل، بل يختلف الوضع عندما نرى أنه لو تم استقطاب ثروة خبرات المتقاعدين، فذلك سيكسب البلاد ثروة من نوع آخر مفعمة بكل ما تحتاجه البلاد من إسناد من طرف العنصر الوطني وحتى تكون ثروة اكتساب خبرات المتقاعدين سند وقاعدة للأجيال القادمة التي سوف تخوض ميادين العمل بأنواعها. فهنا نرى أن المقصد من كلامي هو أن الخبرات التي يختزنها كل متقاعد هي وقود لرفع شأن ومستوى العمل الحكومي وغير الحكومي في الكويت، بل خبرات المتقاعدين في كافة الأصعدة هي موسوعة يتم الرجوع لها لتطوير المستقبل والقفز على كل عوائق تصادف العمل اليومي. فأنا أرى أنه لو تم استقطاب المتقاعد الذي يرى بنفسه المقدرة على العطاء ولو لفترة سنوات محدودة ليكون سندا ومرجعا ذا خبرة في كل مجال بعمله وتخصصه، وهذا لن يؤثر في توفير فرص العمل ولن يؤثر في منع الأجيال القادمة في الحصول على فرصتهم في العمل والحياة العملية.
الكويت قادرة على جعل المتقاعدين سندا وعمادا قويين لمن ينخرطون في المجال العملي من الأجيال الجدية وبجانبهم صفوف مساندة من الخبرات التي يمتلكها المتقاعدون. الغرض ليس مادياً مثلما هو مكسب وفرصة لأن تتطور الكويت من خلال خبرات أبنائها على مدى تعاقب الأجيال، هذه الخبرات التي اكتسبت بالماضي وهي أسس ونواة لانطلاقة المستقبل وكما ذكرت لن يمس ذلك أياً من فرص العمل وتحقيق الطموح للأجيال الجديدة. فهاهم المتقاعدين الكثير منهم مستعد لأن يخدم من جديد في مجال الاستشارات ومجال نقل الخبرات وتطعيمها لمن هو قادم جديد يخدم الكويت. فلو كان لأي متقاعد مجال لأن يضع خبراته لصالح مصلحة البلاد وتطوير العنصر الكويتي فليتم فتح المجال لكل من يرغب بذلك، ويكون هذا الأمر مقابل مكافآت شهرية وساعات عمل محددة، يقوم فيها المتقاعد بإظهار كل ما لديه من خبرات وتجارب عملية وعلمية اكتسبها على مدي سنين، وحتى يمكن لمن هو قادم جديد أخذها كمنهج في العمل والعلم وكمرجع لتطوير كل الأمور في المجال العملي، وبذلك لو تم توارث ذلك الأمر لسنين وسنين سيكون المجال العملي في الكويت ليس كمجالات خبرة بل خبرة ومرجع لأي شخص في هذا العالم وتطوير لكفاءة العنصر الكويتي من خلال كفاءات وخبرات المتقاعدين من الكويتيين. نعرف كلنا بأن حديثا هنا وهناك عن استقطاب جهود المتقاعدين، ونعرف أيضاً أنه تم فعل ذلك، ولكن لابد وأن يكون الأمر مطبقا بنطاق وشكل واسع ومن خلال قوانين ولوائح، وأن يتم تشجيع فرص استثمار خبرات المتقاعدين وذلك بالطبع كما ذكرت لن يؤثر على فرص العمل على كل من هو قادم جديد في سوق الحياة العملية والعلمية. وأنا متأكد أنه يوجد الآلاف من المتقاعدين الذين لديهم استعداد للقيام بنقل خبراتهم، وطالما تكلمنا عن فئة المتقاعدين فإنني أشدد وأؤكد بأن تكريمهم وتوفير كل ما هو خير ومناسب لهم بعد مشوار العطاء ما هو إلا شكر لله سبحانه وتعالى، لأن من لا يشكر الناس لا يشكر الله، فهم يستحقون هذا التكريم وهذه الرعاية باستمرار، والأخذ بأيديهم لما تبقى لهم من مشوار الحياة، ولا بد أن نعرف بأن الطاقات التي مازال يملكها الكثير من المتقاعدين هي ثروات تُبدد لو لم يتم استغلالها، فالأمر سيكون فائدة للجميع، للبلاد والقادمين الجدد في الحياة العملية والعلمية وللمتقاعدين في شغل وقتهم بما يفيد البلد ويفيد الأجيال ويفيدهم. إذن هل سنرى هيئة أو مؤسسة حكومية ترى استقطاب خبرات المتقاعدين مثلما رأينا مؤسسة التأمينات ترعى أمورهم المادية؟ فلو بدأنا اليوم قبل غدا فإننا سنكسب الخبرات والوقت وسنجني العطاء الكبير في المجال العملي ونطور مستوى الأجيال من خبرات المتقاعدين بمحاذاة لما اكتسبوه من علم ودراسة ممتزج بحماس الرغبة في الحياة العملية ومساندة العنصر الوطني ذي الخبرات للعنصر الوطني المقبل على العطاء والحياة العملية للمستقبل. اللهم احفظ كل آبائنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا المتقاعدين ودم عليهم الصحة والعافية وطول العمر، فهم ثروة للوطن لعطاءاتهم في السابق وخبراتهم التي اكتسبوها وعطاءاتهم في المستقبل لو تم استغلالها بشكل صحيح.