لحظات نيويوركيّة


يحط القارب في مرفا جزيرة الحرية، انزل قاصداً تلك المراة الشاهقة صاحبة الشعلة والدستور الاميركي، تتفشّى نوارس الرصيف، لتبدو الاشجار عارية في نُزل البرد، اسير في طريق مرسوم، ونورس وحيد تاه من البحر.. يتبعني، ريحٌ تاتي من الغرب؛ من(مانهاتن). اجدها. هناك ها هي (ايفليّة) العنفوان، لازورديّة الروح، منطلقة النظر نحو العالم القديم. هذا ظهرها؟.. كانها لم ترني، او هكذا شبّه لي. انا القادم من الشرق بصحبة الشمس، أبتغي مرسى التمثال، رحلتي كانت الاف الاميال.. وانقطاع الصوت، عبر الاراضين البور المفطومة منذ زمن الفِطام عن هذه الشعلة وهذا المدى وذلك القانون. انتظرت ارضي طويلاً حتى اتاها الربيع! هي لا تصرف وجهها للغروب ولا تلتفّ. هل هي قريبة؟! ام انها لا تصغي للنداء.. تنظر بعيداً وتتسربل البُكم.. وكاني لم اجيء قاطعاً نصف الكون عند الصباح.. الارض وانا من ورائها، والماء امامها؟ ما عدت أكترث لعدم مبالاتها.. مجرد تمثال، نعم تمثال، وان من «يُمثل» الحرية في هذا العالم، هو مجرّد «تمثال».
صورتان لذات المكان، مع افتراق الزمان بينهما تسعون عاماً. شارع وول ستريت رمز الراسمالية الغربية وطاحونة المال التي لا تستقر، وحكاية السمسار المحتال (جوردان روس بيلفورت) ذئب «وول ستريت». كانت رحلتي لهذا الشارع الفائح برائحة الدولارات وصفقات الاسهم وموشر الناسداك وداو جونز، مسكونة في ذاكرتي بالكساد العظيم، الحدث الذي اعاد رسم خارطة القوّة في العالم، القوة الاقتصادية والعسكرية والبشرية، وكان نتيجةً لحرب عالمية قبله، وانتج حرباً عالميةً بعده، ما جعل فرانكلين روزفلت يقول بان «الطمع هو من يجعل الاغنياء فقراء».