أنا مع وضد

نحن والعالم سنة 2025


من خلال الاطلاع على بعض توجهات مراكز اتخاذ القرارات وحل الأزمات وصناعة السيناريوهات تجد وبسهولة اهتماما منقطع النظير في استشراف المستقبل. الأمم المتحدة والمفوضية الأوربية ومجلس الأمن القومي الأميركي، علاوة على عدد كبير من المؤسسات العالمية البحثية والخاصة العاملة في الخدمات الاستشارية، كل هؤلاء يصدرون وثائق بصورة دورية حول توقعاتهم للمسارات العالمية الرئيسية في السياسة والاقتصاد والصناعة والتجارة والصحة والسكان والبيئة والطقس والمياه والطاقة والمرأة والشباب والتعليم والتكنولوجيا وعلوم الفضاء.
من جانب آخر، ليس في الشرق الأوسط أو في الخليج مراكز شبيهة إلا فيما ندر من أنشطة تتبناها بعض مراكز البحوث والدراسات بصورة متقطعة. وبينما تقوم المراكز الحكومية وغير الحكومية القومية منها وعبر القومية بنشر تقارير مفصلة وتحليلية حول مستقبل العالم القريب والبعيد تتقاعس دول العالم الثالث ومنها الشرق أوسطية عن هذه المهمة على الرغم من الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة. ما يهمنا هو التفكير بصوت عال في الكويت حول ضرورة تبني مركز يرصد التغيرات العالمية ويرسم السيناريوهات لصانع ومتخذ القرار.
صحيح أن منظومة بناء السيناريوهات ليست دقيقة أو لا تنبئ بالحدث المستقبلي كما سيكون بالضبط، إنما صناعة السيناريوهات تؤدي غرضين أساسيين، وهما رسم صورة احتمالية للمسارات المستقبلية من أجل الانتقال من عدم وجود رؤية للمستقبل إلى وجود احتمالات مستقبلية، كما أن السيناريوهات تحفز العمل للتأثير بالحدث المستقبلي بشكل تحيله من حياديته أو سلبية آثاره إلى إيجابيات. ونحن في الكويت إذ نتبنى خطة تنموية واعدة تستهلك الكثير من طاقاتنا ومواردنا وأوقاتنا، لابد وأن نرى هذه السيناريوهات ضمن نسق منظومي متداخل بين المتغيرات المحلية والإقليمية والعالمية. عندما ينطلق أحد من محركات البحث الإلكتروني حول سيناريوهات المستقبل أو تحت عنوان العالم سنة 2025 على سبيل المثال يجد أرقاما وبيانات وحقائق واحتمالات في مجالات خصبة ومهمة بالنسبة لنا، وتتداخل مع المتغيرات المحلية التي تقود المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في حياتنا اليومية. على سبيل المثال لا الحصر، استراتيجيا سيكون العالم قائما على أساس نظام متعدد الأقطاب وليس القطب الواحد المتمثل في الولايات المتحدة الأميركية بحيث تتوزع مراكز القوى على كل من في الصين والهند واليابان في آسيا، وفي الاتحاد الأوروبي في أوروبا، والولايات المتحدة الأميركية في القارتين الأميركيتين. وبالنسبة لروسيا ستكون ذات ثنائية فريدة جدا حيث سيكون لها رصيد وموقع مؤثر في المركز الأوروبي والآسيوي، مما يعطيها دورا جديدا في السياسية الدولية لم تكن تتوقعه ولم تعمل من أجله، لكنها ستوظف طاقتها بناء على هذا الاحتمال القائم. بالنسبة لنا هذا التغيير، مرتبط بمنظومتنا الأمنية بشكل كبير، مما يتطلب النظر له من عدة زوايا لا يتسع المجال لذكرها. في المجال الاقتصادي، كل المؤشرات العالمية تنطلق من حقيقة آنية تتمثل في الصعود الهندي والصيني إلى احتمال قوي جدا أن في عام 2025 سيكون اقتصاد تلك الدولتين مقتربا إلى اقتصاد الولايات المتحدة الأميركية. وهذا الاحتمال البارز أدى إلى توجه قطاعات استثمارية حكومية وغير حكومية إلى هذين البلدين للتوطن فيهما، وبما أن نحن نبحث على اهتمامات تنموية واستثمارية يتعين التوجه مع هذا المسار. سكانيا، هناك مؤشرات تفيد بارتفاع سكان العالم إلى 8 مليارات نسمة تقريبا في عام 2025. أكثر هذا النمو السكاني سيكون في آسيا ومنها طبعا منطقة الشرق الأوسط. في الكويت سكيون الرقم في عام 2025 وفقا لتلك التقديرات حوالي 4 ملايين نسمة، وفي السعودية سيكون حوالي 34 مليونا وفي الإمارات 6 ملايين، بحيث سيكون عدد السكان في دول مجلس التعاون حوالي 50 مليونا تقريبا، قياسا بـ 40 مليونا تقريبا في الوقت الراهن. أما في الدول المصدرة للعمالة والأخرى التي تحيط بدول المجلس فستشهد ارتفاعا سكانيا مذهلا، حيث سيزداد عدد السكان في مصر إلى 105 ملايين، وإيران 87 مليونا، والعراق إلى 44 مليونا. وبمعنى آخر من المحتمل أن تكون هناك زيادة سكانية في دول المجلس بواقع الـ 20%، وهجرات عمالية أو غير قانونية خلال الخمسة عشر سنة قادمة تستلزم زيادة في حجم فرص العمل والبنى التحتية والخدمات مثل التعليم والصحة والكهرباء والماء وغيرها. من المتغيرات اللافتة للنظر التي ستظهر مع بزوغ فجر الربع الأول من القرن الحالي ما يسمى باقتصاديات المرأة، حيث تتنبأ شركة بوز الاستشارية بأن عدد النساء العاملات في اقتصاديات المال والأعمال سيرتفع إلى 780 مليون نسمة أغلبهم ليسوا في الدول الصناعية. على صعيد آخر، تمثل الصحة معيارا عالميا في التنمية البشرية المستدامة، وتقول المفوضية الأوروبية بأنه وعلى الرغم من ارتفاع نسبة أعمار من هم فوق الـ 65 سنة ستزداد عالميا، إلا أن هناك مخاطر صحية كبيرة ستواجه البشر، مثل انتشار أوبئة أمراض جديدة. فخلال العشر سنوات المنصرمة ظهر حوالي 40 مرضا جديدا، وسجلت الخمس سنوات الماضية 1100 حالة لانتشار أوبئة في العالم، علاوة على أن عدد المصابين بمرض الإيدز سيزداد من 33 مليونا إلى 50 تقريبا. في جانب البيئة هناك توقعات مريرة من قبيل تزايد التلوث والتصحر وقلة المياه الصالحة للشرب قد يندر الحصول عليها لعدد 3 مليارات نسمة عام 2025. ما تقدم عبارة عن مسحة عامة منتخبة حول بعض البيانات والأرقام والاحتمالات والمسارات والتوقعات، التي تحتاج إلى إمعان وتحليل وتمحيص وإعداد منظومة سيناريوهات تستطيع التعامل معها، نتمنى أن يكون مستوى الجدال والسجال القائم حاليا مقترب منها.
مع:
كل تلك السيناريوهات وغيرها تتراتب بشكل محدد على مصفوفة الاستراتيجيات الوطنية، لكنها تحتاج جهدا منظما من الفكر المؤسسي. نحن في الكويت لا تنقصنا الطاقات الوطنية المتخصصة ولا المؤسسات التي تستطيع أن تستوعب وتوظف تلك الطاقات، لكن يجب أن يكون لدينا الإيمان بمثل هذه الجهود وتبنيها بشكل محايد وعلمي.
ضد:
نتفق على كل تلك السيناريوهات وأهميتها، لكن الأمل بعيدا عن الأخذ بناصيتها كبوصلة تحديد مسار للمستقبل. الجزء الأكبر من المستقبل مرتهن بالعمل القائم بالحاضر. البعض مع الأسف الشديد يحاول أن يجعل الاهتمام في حاضرنا بقشور القضايا، والتمسك بمواضيع متخلفة يرجعنا إلى ألف سنة ماضية بدلا من أن يجعلنا ننظر لعام 2025.