النفس والروح


لقد كثر الحديث حول النفس وماهيتها والتعريف الدقيق لها وهل هي مرادف لكلمة الروح وهل هما شيء واحد أم اثنتان؟ وهل الموت يتعلق بالروح أم يتعلق بالنفس؟
والواقع أن القرآن الكريم لم يذكر شيئاً عن الروح، وأكد أن الله تعالى اختص نفسه بهذا العلم وجعله قاصرا عليه فقط،
إذن وجب التوقف عن البحث في أمر الروح تماما والذي حسم بين حروف تلك الآية الكريمة: "يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا".
وذكر لفظ الروح في آيات أخرى، ولكن كان المقصود بها جبريل عليه السلام وهو أحد الملائكة الكرام الموكل به حمل الوحي إلى الأنبياء والرسل عليهم السلام، فقال تعالى "نزل به الروح الأمين"، وقال "تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر"، أي تتنزل الملائكة في ليلة القدر والروح (جبريل) معهم، وذكره في موضع آخر في مشهد يوم القيامة فقال تعالى "تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ".
وفي موضع آخر نسب الروح لنفسه سبحانه وتعالى فقال "ونفخنا فيه من روحنا"، ذكر ذلك نصا متشابها في حالتين فقط، الأولى حينما نفخ في قطعة الطين فصارت سيدنا آدم عليه السلام، والثانية حينما قال "ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا"، فكان المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، لذا قال تعالى "إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم"، أي كلاهما جاء بنفخة من روح الله عز وعلا.
وقال تعالى عن المسيح أيضا "إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ"،
إذن لم يذكر لفظ الروح في أمر يتعلق بالإنسان على الإطلاق، إلا عن كونها سر وجود سيدنا آدم وسيدنا عيسى عليهما السلام وكانت في كلا الأمرين مرتبطة بالله تعالى بقوله "من روحنا".
أما النفس فقد ذكرت في مواضع كثيرة وكلها مرتبطة بالإنسان فقال تعالى "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها".
وقال "واحضرت الأنفس الشح" وقال "علمت نفس ما قدمت وأخرت" والمقصود يوم القيامة، وقال تعالى على لسان المسيح "تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك"، وفيما يتعلق بالموت قال تعالى "كل نفس ذائقة الموت"،
وقال "ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله" وقال "يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية"، ولم يقل "يا أيتها الروح المطمئنة"‘ والأنفس خمسة أنواع، النفس اللاهية والنفس اللوامة والنفس المطمئنة والنفس الراضية والنفس المرضية، وهي صفات خمس ربما تمر النفس الواحدة بهذه الصفات متتالية، فقد تكون النفس لاهية عن ذكر الله ثم تتحول إلى نفس لوامة تلوم حالها على ما تفعله من المعاصي واللهو إلى أن تصل إلى النفس المطمئنة فتصبح نفسا راضية فتفوز بالجائزة وتكون نفسا مرضية من قبل الله عز وجل، لذا قال تعالى "رضي الله عنهم ورضوا عنه"،
وقال تعالى للرسول عليه الصلاة والسلام حينما كان يتألم من عناد الكافرين واستكبارهم وإعراضهم عن الإيمان "فلا تذهب نفسك عليهم حسرات" وقال "لعلك باخع نفسك على إثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا".
إذن لماذا أخفى الله تعالى عن البشر أمر وطبيعة وكيان الروح وجعلها من أمره هو فقط وأتبعها بقوله "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"، أي كل تلك العلوم المذهلة التي وصل إليها الإنسان في كافة المجالات العلمية برا وجوا وبحرا هي علوم ضئيلة أمام علم الروح، فأي عظمة هذه؟
ثم نجد من يفتري على الله كذبا ويدعي أنه يستطيع أن يحضر روح فلان أو فلان ممن ماتوا من الآباء أو الأجداد، فاعلم أن من يقول هذا فهو كذاب أشر، فالروح لا يعلم الإنسان عنها أي شيء يذكر.
وانظر إلى الرجل الذي كان يمشي على قدميه ثم يقع على الأرض ميتا أو يموت على فراشه تجده مكتمل الأعضاء لا تنقصه شعرة واحدة، فالوجه نفس الوجه والعين نفس العين والذراع نفس الذراع والقدم نفس القدم، فما الذي كان بداخله فكان يمشي ويصول ويجول ويبني ويهدم ويتحدث ويفكر ويقرر ويخاصم ويقاتل ويضحك ويبكي، وما الذي خرج منه فجعله جثة هامدة ملقاة على الأرض لا تملك من أمرها شيئا، هل هي الروح أم النفس؟ فقف أيها العقل وتأدب مع الذات العلية، "فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون".