الاتجاه السيكولوجي والاجتماعي للدراسات الإعلامية


يعتبر علم النفس الاجتماعي من المجالات الأساسية والمهمة في الدراسات الإعلامية، ويعتبر كارل هوفلاند، وبول لزرفيلد، وكرت لوين، من أوائل الباحثين في هذا المجال المهم، وركز هوفلاند عالم الاجتماع في جامعة ييل، على عملية الإقناع في دراساته، بينما ركز لوين عالم الاجتماع في جامعة أيوا، وجامعة ماساتشوسيت للتكنولوجيا دراساته على الجماعات والأدوار الاجتماعية، بينما ركز لزرفيلد في مركز الأبحاث الاجتماعية التطبيقية بجامعة كولومبيا، دراساته على استقصاء الرأي العام، وتأثير وسائل الإعلام الجماهيرية، وعلى العلاقة بين التأثير الشخصي وتأثير وسائل الإعلام الجماهيرية على الجمهور الإعلامي. ولد لزرفيلد في فيينا وتعلم فيها حتى حصل على درجة الدكتوراه، وفي عام 1923 ترك مسقط رأسه مهاجراً إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث صب اهتمامه على دراسة الساحة الإعلامية وتأثير وسيلة الاتصال الإعلامية الجماهيرية الجديدة آنذاك، وكان الباحثون هناك مهتمون فعلاً بقياس مدى نجاح الإذاعة المسموعة كوسيلة إعلام جديدة لفتت انتباه المعلنين، وانصبت دراسات القياس على معرفة عدد المستمعين والبرامج التي يفضلون الاستماع إليها، واهتم لزرفيلد بمعرفة الأسباب التي دفعت المستمعين لسماع برامج إذاعية بعينها، واستنباط الطريقة التي تمكنه من معرفة كيفية استخدامهم للمعلومات التي يحصلون عليها عبر وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، وتأثيرها على أذواقهم واتجاهاتهم الاجتماعية وتأثير الحملات الانتخابية على خياراتهم الانتخابية، وعلاقة الاتصال الشخصي بوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية. وبدأ اهتمام لزرفيلد بالإذاعة المسموعة عام 1937 عندما عين مديراً لمركز أبحاث الإذاعة المسموعة الذي أفتتح للتو في جامعة برنستون بتمويل من مؤسسة روكفلر، مستفيداً من خبرة فرانك ستانتون المدير السابق لشبكة س. ب. إس، في الإذاعة الأميركية، وفي عام 1940 انتقل المركز الذي يشرف عليه لزرفيلد إلى جامعة كولومبيا وأصبح مركزاً للأبحاث الاجتماعية التطبيقية. وأثمرت أبحاث لزرفيلد عن مجموعة من الكتب ذات المستوى الرفيع في موضوعات كالتصويت، والبطالة، والاتصال، ومناهج البحث في العلوم الاجتماعية التطبيقية، إضافة لتدريب مجموعة من الباحثين الشباب الذين ذاع صيتهم فيما بعد. 
أما عالم النفس والخبير بوسائل وأساليب إجراء التجارب العلمية، وعلم النفس الاجتماعي كورت لوين Kurt Lewin فقد هاجر في مطلع ثلاثينيات القرن العشرين من مسقط رأسه في أوروبا إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن أتم تحصيله العلمي في فيينا. وتمتع بتأثير كبير هناك على طلبته في جامعة أيوا ومعهد ماساتشوسيت للتكنولوجيا، حيث اهتم خلال الحرب العالمية الثانية بدراسة حركة الجماعة، والاتصال داخل الجماعة، وتأثير جماعات الضغط الاجتماعي، وتأثير الجماعة على اتجاهات وتصرفات أعضائها. وركزت أبحاث لوين في علم النفس الاجتماعي على الفرد في ظروف المحيط الاجتماعي، وتحليل المؤثرات الاجتماعية على الطفل، وطبيعة الاختلافات القومية بين الأمريكيين والألمان، والمشاكل الاجتماعية الناتجة عن انتماء الفرد لأقلية اجتماعية.
 أما كارل هوفلاند فقد تخرج من جامعة ييل وبرز بين علماء النفس التجريبي قبل الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1942 استدعي للخدمة العسكرية والتحق بقسم الأبحاث الإعلامية في الجيش وهناك ركز اهتمامه على بحوث الاتصال وتغيير الاتجاهات، وبعد الحرب عاد هوفلاند إلى جامعة ييل ووضع برنامجاً للبحث في عناصر الاتصال وتغيير الاتجاهات، وتمتع برنامجه بأسلوب دقيق للقياس يعتمد على التجربة المنظمة. ودرس هوفلاند تأثير القائم بالاتصال الذي يؤمن الجمهور الإعلامي بصدقه، والقائم بالاتصال الذي يتمتع بالنفوذ، وتأثير عرض الجانب الذي يسعى القائم بالاتصال لترويجه، من خلال عرض الجانبين المؤيد والمعارض في آن واحد، وتأثير بواعث الرسائل الإعلامية المثيرة للخوف الشديد لدى المستقبل، ومقارنة تأثير الرسائل الإعلامية التي تثير خوفاً معتدلاً أو خفيفاً، وأساليب تحصين الجماهير ضد الدعاية المضادة. وتعتبر كتبه من أهم ما وضع من كتب في علم الاتصال حتى وقت قريب، وتوفي هوفلاند عام 1961 متأثرا بمرض السرطان عن 48 عاماً، ولم تتوقف أبحاثه التي استمرت على أيدي تلاميذه الذين استمروا على تطويرها والتوسع بها من بعده. ومن دراستنا لأبحاث الرواد الأربعة في تطوير أبحاث الاتصال الجماهيري: لازويلد، ولزرفيلد، ولوين، وهوفلاند، فإننا نستطيع استنتاج أن أبحاث لازويل اتسمت بالشمول الذي يهتم بالمجال العام. أما لزرفيلد وهوفلاند فقد اتسمت بالمجال الأضيق الذي يهتم بالتفاصيل، أما أبحاث لوين عن الجماعات الصغيرة، فقد جاءت في الوسط بين المجالين. وأضاف الباحث الأمريكي برنارد ولسون إلى المجالين آنفي الذكر خمسة مجالات فرعية للبحوث الإعلامية وهي:
1 - المجال الإصلاحي: الذي مثلته لجنة حرية الصحافة في الولايات المتحدة الأميركية التي شكلت عام 1943، وأصدرت تقريرها عام 1947 واهتمت بتنظيم وسائل الاتصال وتكوينها، وأساليب السيطرة عليها، ومسؤولية وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية تجاه المجتمع، وهو المجال الذي تجاهلته الجامعات، ووقفت وسائل الاتصال والإعلام التجارية ضده، وضد لجنة حرية الصحافة. 
2- المجال التاريخي: الذي تمثل بدراسات ديفيد رايسمان، وهارولد إنيس، واهتم بالتأريخ لحياة القائمين بالاتصال عبر وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية. وتدخل ضمنها مؤلفات فرانك لوترموت، وأرنولد هاوسر، التي اعتمدت على السرد والسير الشخصية. 
3- المجال الصحفي: ويمثله نشاط معاهد الصحافة ومراكز البحث العلمي في مجال الاتصال والإعلام، وبعض الأساتذة أمثال: كيسي، وريمو ب. نيكسون، وولبر شرام. واهتم بالسيطرة على وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، وخصائص القائم بالاتصال، واهتمامات قراء الصحف، ومسؤولية الإعلام اتجاه المجتمع. 
4- مجال دراسة فلسفة اللغة والمعاني: الذي حاول من خلاله الباحثون تطبيق نظرية المعرفة على الاتصال الجماهيري، واشتغل فيه إضافة للفلاسفة، علماء الأنثروبولوجيا، واللغويين، وعلماء النفس، وعلماء الرياضيات.
5- دور وسائل الإعلام الجماهيرية في مجال نشر الأفكار المستحدثة: الذي اهتم أصلاً بالمجتمعات الزراعية ونشر الأفكار المستحدثة، وله علاقة كبيرة باهتمامات الدول النامية وأساليب التغيير السريع للمعتقدات والقيم. ومن رواده روجر، وكير، وشوميكر.