الحرص، القلق، الغيرة


لست أدري ما الذي يستهويني للكتابة في موضوعات لا تقع ضمن تخصصي الدقيق في العلوم الإدارية. ربما لأن الإدارة لا تستقيم دون علم نفس أو سياسة أو اجتماع. 
وموضوعة اليوم حول خصائص الحرص والقلق والغيرة هذه صفات نفسية وسلوكية عند الإنسان تقرأ بأشكال مختلفة، وتفهم على معنىً ما حسب حدودها وظروفها وبالتالي تداعياتها.
 فقد تكون صفات غير مرغوبة تلحق بصاحبها وغيره من الأذى والنفور ما لا يحمد عواقبه. وقد تكون مطلوبة ومحمودة، كذلك وفق حدودها وظروفها وبالتالي تداعياتها. 
المسألة الأصعب على الفهم وفي التطبيق هي: أين هي حدود، وما هي ظروف كل من تلك الصفات النفسية والسلوكيات، بالطبع لكي تكون محمودة وينصح باتباعها، أو مؤذية وينبه على تجنبها؟ 
فالحرص مسألة مطلوبة منا، أطفالاً وكباراً، رعاةً ورعية، آباءً وأمهات. فحرصنا على الانتباه إلى وصايا وإرشادات الوالدين، وحرصنا على واجباتنا المدرسية وآداب التعامل، كلها ضرورات حياتية. كما أن حرصنا، نحن الآباء على أبنائنا، هو الآخر مطلوب منا، لا بل ونحاسب عليه ضميراً وقانوناً. وهناك أمثلة أخرى كثيرة. 
ليس هناك من لا يقلق! وإذا كان هناك بالفعل من لا يقلق، فإن ذلك حقاً ما يقلق!
 كما أن القلق الطبيعي و"الإيجابي" إذا صح التعبير، يدفع بالإنسان إلى التحسب والحذر والتهيؤ لمواجهة شيء، أو حتى لتمني نتيجة ما، وهي حالة إنسانية طبيعية، طالما بقيت في حدود الأمل والترجي، الذي يجب التعامل والقبول بعدم تحققه.
أما القلق المفرط و"السلبي" المحبط والمسبب للخوف الدائم والهلع وربما حتى للتشاؤم والقنوط، فهو حالة غير سليمة، لا تساعد صاحبها في تحديد رؤية ولا تعينه على عمل شيء نافع ما.
 وأخيراً فإن الغيرة، والتي تبدو أكثر من الصفتين السابقتين، مثيرة للنقاش، لا بل وسلبية في ظاهرها، هي الأخرى تقع في خانتي المطلوب والمرفوض! فالغيرة التي تدفع بصاحبها إلى الاجتهاد والتميز الإنساني والإيجابي، وعدم الاستسلام والخنوع، هي صفة نفسية وسلوك نافع ومفيد، تأخذ بيد صاحبها إلى الارتقاء والتسامي.
في حين تهلك الغيرة الصفراء صاحبها هماً وغماً، وقد تدفعه إلى أساليب وأخلاقيات مرفوضة ومكروهة.
نسأل الله حرصاً نافعاً، وقلقاً مشروعاً، وغيرة إنسانية خضراء ناعمة!