ليبيا والمفترق الصعب


الاكتئاب السياسي هو الشعور السائد لدى الشعب الليبي، شعور كان نابعا من الصراعات اللامتناهية ما بين حكومة الوفاق الشرعية بقيادة السراج، والحركة المناهضة لها بقيادة الجنرال حفتر، كل يوم يتأكد لنا أن التاريخ ما هو إلا صراع من أجل المصالح والمكاسب، ولعل الربيع العربي قد أثبت ذلك حتى صارت جل بلدان الربيع العربي حلبة لصراعات سياسية واقتصادية ما بين القوى العالمية والإقليمية، في حين تحولت أحلام الشعوب الى آمال غير مكتملة بل ومسروقة، والوضع لا يختلف كثيرا في ليبيا، حيث أخذ الصراع الدائر من أجل الحكم الى صراع إقليمي ودولي تتدخل فيه مجموعة من الدول والقوى من أجل البحث عن مكاسب اقتصادية وليس بالضرورة نصرة للفكرة أو دفاعا عن الشعب واختياراته، ففي العلاقات الدولية لا يوجد شيء بدون مقابل، فحتى المواقف العالمية تحكمها معادلات الكسب والمصلحة، أما الأفكار الإنسانية وإعلاناتها المجردة فهي تشبه مخدرا للضحك على الشعوب الضعيفة. 
وفي ظل الانغلاق العالمي الذي تسبب به فيروس كورونا، لازال الصراع في ليبيا يهدد الاستقرار الصحي المؤقت، وفي هذا السياق كشفت وثائق أممية جديدة بعض خفايا الدعم الذي يلقاه اللواء المتقاعد خليفة حفتر من بعض الدول، وتفاصيل مهمة عسكرية سرية لقوات غربية تابعة لشركات كانت تهدف لاعتراض السفن التركية التي تساعد قوات الوفاق الوطني في دعم الشرعية.
وأظهرت ثلاث رسائل وتقارير أنجزها فريق خبراء تابع للأمم المتحدة تفاصيل الدعم العسكري من دول للواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، في السعي للسيطرة على كامل التراب الليبي والحرب ضد حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا، وشمل الدعم تنفيذ مهمة عسكرية سرية، وتقديم الدعم السياسي والإعلامي، وتسيير جسر جوي مع شرقي ليبيا لنقل المعونات العسكرية لقوات حفتر. 
ويشار إلى أن حفتر يشن منذ أبريل من العام الماضي هجوما للسيطرة على طرابلس، مقر حكومة الوفاق، إلا أن حملته تعرضت لانتكاسة في الأسابيع الماضية، عقب تحقيق قوات الوفاق تقدما عسكريا مطردا، أدى إلى فقدان قوات حفتر أغلب معاقلها في الغرب الليبي.
حذرت الولايات المتحدة من تكرار تجربة سوريا في ليبيا، وذلك بعد أن كشفت القيادة العسكرية الأميركية بأفريقيا (أفريكوم) عن نشر مقاتلات أجنبية دعما للواء المتقاعد خليفة حفتر.
الصراع في ليبيا أخذ منحى متغير بسبب المكاسب على الأرض التي أصبحت تحققها حكومة الوفاق الوطنية، وهو الأمر الذي يعزز الشرعية والانضباط لاتفاق الصخيرات الذي تنكر له حفتر بالرغم من انه شكل إجماعا لكل الشعب الليبي.
 لا حلول للشعب الليبي سوى بضرورة إيقاف الحرب الأهلية الدائرة بغطاء خارجي، ودعوة الأمم المتحدة لبسط قوات حفظ السلام مع التعجيل بإقامة انتخابات نزيهة تحت إشراف أممي لاختيار القيادة السياسية، عندها فقط سوف تتمكن الأطراف المتحاربة من الوصول الى حل لا جدال فيه وهو الاختيار الشعبي، وأظن حينها  أن العديد من المتدخلين سوف يصدمون من اختيار الشعب، وسوف يتحسرون على كم الأموال والعتاد الذي صرفوها في حرب خاسرة.. 
والله من وراء القصد.