شملان العيسى.. في أمان الله ورحمته


منذ حوالي 40 عاماً انضم الدكتور شملان العيسى رحمه الله إلى قسم العلوم السياسية بعد حصوله على الدكتوراه من جامعة تافتس Tufts University في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد التقيته أول مرة منذ دخولي لجامعة الكويت كطالب في القسم سنة 1981، حيث كان مفعماً بالحيوية والنشاط التي صاحبته إلى أن تقاعد بعد بلوغه سن الخمسة والسبعين عاماً، بل وحتى أثناء معركته مع المرض الخبيث.
أهم ما يميز الدكتور شملان رحمه الله أنه كان إنساناً تلقائياً في كلامه غير متصنع لحديثه.
هذه التلقائية كلفته كثيراً حيث تم التهجم عليه أحيانا والتقدم بشكاوى ضده أحياناً أخرى، لكنها في نفس الوقت كانت خصلة قد اكسبته حب زملائه واحترام خصومه لأنه صريح جداً على غير العادة العرفية التي تتطلب المجاملات كثيرا من الأحيان.
هذا لا يعني أنه يقصد التقليل من شأن الأخرين أو عدم احترامهم بل لأنه دائما كان يكرر أن الصراحة راحة.
كان رحمه الله صريحاً لدرجة قد توقعه في الحرج الذي سرعان ما يقلبه إلى ابتسامة يتقبلها من حوله بابتسامة أخرى.
هذه الصراحة أحياناً قادته لأن يكون عصبيا خاصة في آخر سنوات عمره حتى اعتقد البعض ممن لم يخبروه إلا من خلال الإعلام أنه عصبي المزاج، بخلاف الحقيقة حيث كانت عصبيته تخفي ابتسامة كبيرة مبتهجة في قلبه سرعان ما تتجلى على وجه البشوش.
ليبرالية شملان لم تخرجه إطلاقا من طبيعته التلقائية الفطرية التي تجنح دائما لفعل الخير والتسامح والعفو. لربما تجد نفسك في خلاف جدلي مع الدكتور شملان رحمه الله وقد تثور ثائرته بصراحته المعهودة، ولكنها ما هي إلا ثوان معدودات حتى يعود ممازحاً لك متناسيا لحظاته تلك. حينما كنا نجتمع أحيانا في اللجان أو في مجلس القسم كان الدكتور شملان يمثل أيقونة في تلك الاجتماعات حيث يعرف كيف يخلط ما بين سحنة وجهه البشوش وتلقائية قلبه المتسامح مع عقله النيّر، في ثلاثة فريدة قل من يتقنها.
فطرته كإنسان محب للخير لم تكبتها أفكاره أو الأيديولوجيات الواقعية بل كانت تنعطف عليها لتجرها إلى رشدانيتها، فلقد اتيت ذات مرة لقسم العلوم السياسية أثناء شهر رمضان المبارك في الصباح مبكرا عندما كانت محاضرتي تبدأ الساعة الثامنة، فرأيت ممر القسم مزدحماً حتى خارجه من عمال النظافة فظننت بأن هناك مشكلة ما! فلما تتبعت ذلك الدور الطويل وإذ بنهايته تصل إلى مكتب الدكتور شملان رحمه الله، فرأيته جالسا خلف مكتبه وآخذ بتوزيع ما جادت به نفسه من صدقات على هؤلاء العمال.
ابتسم كالعادة وقال "شنسوي سوى نوزع الخيرات بدينَّا علشان نتأكد وصولها للمحتاجين".
عرفت بعد ذلك أن هؤلاء العمال يعرفون عادة الدكتور شملان هذه في بعض المناسبات فلم تكن تلك الحادثة الفريدة والوحيدة له. ما تبادر إلى ذهني في تلك اللحظات وأنا أرى ابتهاج هؤلاء العمال وضحكته معهم كيف يكون المرء فطرياً متواضعاً دون أن يعبأ بحسابات الآخرين.
من أكثر صفاته رحمه الله أن الجانب الإنساني كان طاغيا على كل صفاته الأكاديمية، ومن هنا يكون الدكتور شملان ذا خصوصية منحته حب الكثيرين ممن عاصروه.
خاض الدكتور شملان غمار الحديث في السياسة كمحلل وككاتب في الوسائل الإعلامية، من داخل وخارج الكويت.
أحبه الكثير من أساتذة العلوم السياسية في دول الخليج وعشقوا تلقائيته أكثر مما كان عليه الحال في وطنه. كان ناقداً لاذعاً للنفاق السياسي الذي يمارسه بعض السياسيين والإعلاميين، فكان يبوح لي أحيانا كثيرة حول هذا الموضوع وهو متذمر مما آلت إليه الأمور.
وكان رحمه الله أستاذاً جاداً مواظباً على محاضراته حتى مع تقدم سنه ومرضه.
 
بعد تقاعده من الجامعة كنت دائم الاتصال به فكان يبتهج بذلك الاتصال كثيراً حيث نتجاذب أطراف الحديث بين الجد والهزل اعتماداً على تلقائيته المعهودة.
آخر حديثي مع الدكتور شملان رحمه الله كان قبل حوالي عشرين يوما تقريبا، فكان صوته مبحوحاً تتضح في مختلجاته متنفس تعب وقد أعياه المرض، فتكلمت معه حول صحته فقال إنه بخير وبانتظار السفر لاستكمال العلاج في بريطانيا.
اعترتني توجسات الرحيل فاسترجعت ذكر الله، وعلى الرغم من ذلك لم أتلمس من حديثه البؤس أو الخوف، ولكن ما أثار عاطفتي حقاً هو أنني كنت أعلم بتعذر السفر أثناء هذه الجائحة ولم أستطع البوح له بذلك.
عرفت بعد ذلك أن حالته قد ساءت، فترددت وتمنعت من الاتصال خشية من معاودة تلك التوجسات، فترك ذلك حيزا حزيناً في نفسي. رحل الدكتور شملان وترك سجاياه وسوالفه حاضرة في أذهاننا وذكرياتنا، كما أن إطلالته المبتسمة وقلبه العطوف والمتسامح سيبقى دائماً معنا، رحمك الله يا أبا أياد.