ابعدوا التجارة عن التعليم


عندما كانت اللجنة التعليمية في مجلس الامة تبحث قانون الجامعات الخاصة قبل إقراره في عام 2000، تقدمنا نحن في جمعية أعضاء هيئة التدريس ببعض المقترحات حينها، والتي على رأسها ألا تكون هذه الجامعات ربحية، كان ذلك الاقتراح منبثقاً من رؤية وتجربة، الرؤية كانت تستقر على اساس ان التعليم لا يمكن ان يكون سلعة، فمتى كان سلعة خاضعة للمرابحة والمتاجرة فان المنطق الذي يحكمه سيكون خارج إطار الفلسفة المعرفية منذ أن تناولها ابو الفلاسفة أفلاطون، اما التجربة فهي تنطلق من معرفتنا بافضل الممارسات العالمية التي مضت عليها ارقى الجامعات التي هي بالأساس مؤسسات غير ربحية، كما هو الحال في الجامعات الأميركية الراقية، ازاء هذا المقترح جن جنون بعض قوى التعليم التي كانت تسعى لسلعنة التعليم والمتاجرة به، في تلك الفترة وقف الى جانبنا بعض النواب الإشراف ودافعوا عن تلك الرؤية ولكن قوى التعليم كانت أقوى بحيث تمت إزالة النص القانوني الذي يلزمها بألا تكون ربحية تحت ذرائع شتى.
اليوم نحن ندفع ثمنا باهضا ازاء مضي بعض المؤسسات التعليمية سواء كانت على مستوى التعليم العام او العالي، فعوضاً عن تدني معظم مستوى جودة التعليم فيها، فهذه المؤسسات تدفع بقواها السياسية ومحركاتها الإعلامية لكي تقر موضوع التعليم عن بعد كاستعاضة عن التعليم المباشر في وقت التعطيل الاستثنائي بسبب تفشي فيروس "كورونا"، يرى البعض بأن المحفز الأساسي خلف ذلك المسعى هو الاستحواذ على كامل الرسوم الدراسية لبقية العام الدراسي، وفي ذات الوقت يرى الكثيرون بل الأغلب من المختصين بان التعليم عن بعد يحتاج الى 3 مقومات أساسية تتمثل في منطومة قانونية وبنية تقنية وتأهيل كامل للكادر التعليمي والطلبة للتعامل مع هذا النوع من التعليم، عوضاً على أنه لا يمكن ان يستعيض بشكل كامل عن التعليم المباشر خاصة في التخصصات التي تتطلب تحارب وتدريب مهني واختبارات.
اليوم، تتضح أهمية تلك الرؤية حيث تم اقتراحها حينذاك، واليوم ايضاً نستطيع القول بان الكثير من قوى التعليم، التي تعتاش على بدعة البعثات الدراسية الداخلية من جيب الحكومة، ما هي الا قوى تجارية ربحية تحاول لبس ثوب التعليم المقدس.
ونحن في حال هذه الأزمة "الكورونية"، نأمل من مجلس الوزراء الموقر ومعالي وزير التربية واعضاء اللجنة التعليمية المحترمين في مجلس الامة ألا يسمحوا لهذه القوى بجر أقلامهم على موافقة سريعة وغير مدروسة ودون ضوابط قانونية وفنية من شأنها ان تخلق ثغرات علمية وتهدر مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب في التعليم الحكومي والتعليم الخاص، ونذكر الأخوة في السلطة التنفيذية على وجه الخصوص بان الذي يقف معكم في الخط الأول في مواجهة فيروس الكرونا هم المختصون والأكاديميون والمهنيون والكفاءات الوطنية وليست قوى المصالح المالية او غيرها، ما يستدعي الأخذ بآرائهم والعناية بهم وتقديمهم في مجال الاستشارة، لأنهم هم الذين يكونون سنداً حقيقيا وذخرا وفيرا لكم في وقت الأزمات.. ولا ينبئك مثل خبير.