السياسة الخارجية من منظور طائفي.. في مرحلة الحرب الدافئة


من المتعارف عليه عالمياً بأن اتخاذ قرارات السياسة الخارجية من اختصاص السلطة التنفيذية وفق منظور شامل يراعي المصالح العليا والأمن القومي للدولة، هذا المنظور يجب ان يستقر على قواعد واضحة من الممارسات التي تنطلق من حجم الدولة وقوتها وموقعها الجغرافي ومصفوفة العلاقات الدولية المحيطة بها، لذلك، يتعين ان يكون هذا المنظور متفقا مع أسس ما يسمى بالاختيار العقلاني للقرار، اي أن القرار الذي تتخذه الدولة خاصة فيما يتعلق بالشأن الخارجي يجب ان يكون متجرداً من العواطف والعناصر الايدولوجية في ذاته، وبعيدا عن اي منطلقات او مقاربات طائفية او فئوية لا تتفق مع المصلحة العليا. 
وبمعنى آخر، فان السياسة الخارجية، لكونها تتصل بالبيئة السياسية المحيطة بالدولة اقليميا وخارجيا، ليست في محل سيطرة سيادية تامة للدولة مثل السياسة الداخلية التي تبسط الدولة هيمنتها السيادية عليها، ومن هنا يمكن تقبل فكرة المرونة والمناورة في الاختيارات السياسية الدولة الداخلية للدولة وفق مقاربات تسمح احيانا كثيرة لترجيح العوامل الأيديولوجية والثقافية والدينية وغيرها، بخلاف البيئة الخارجية التي لا تقبل التضحية او المراهنة على مصالح الدولة في لعبة المضاربات العاطفية. 
ومن الواضح جداً بأن البعض من التيارات والسياسيين سواء كانوا خارج السلطتين التنفيذية والتشريعة ام في داخلها لا يدركون هذا البعد الجوهري الذي يميز السياسة الداخلية عن الخارجية. 
الكويت كدولة صغيرة، تقع بين ثلاث دول إقليمية كبيرة وفي منطقة عالمية حساسة بالنسبة للدول الكبرى، ودائما تبحث عما يسمى بالمحافظة على «حق الوجود»، وفي وسط هذه الظروف والمصالح المتضاربة والمتداخلة بين الفرقاء والأصدقاء، تحاول الكويت ان تحافظ على هذا الحق الوجودي وفق سياسة الحياد الإيجابي المؤسس على قواعد التوازن، اي ان نقطة الارتكاز التي تحفظ للكويت كيانها في وسط هذا التزاحم بين المصالح المتعددة في هذا الإقليم المضطرب قائمة على أساس مدى قدرتها في الحفاظ على حياديتها وتوازن حركة بندولها السياسي في وسط نواقيس وأجراس التحديات المترامية على اطرافها، وبالتالي، فان هذه السياسة الخارجية بالغة الحساسية والحرج بشكل لا يقبل تأثيرات المراهقة السياسية التي يضمرها البعض البغيض من الذين يقع همهم وهدفهم ضمن حيز أنصارهم وجماهيرهم الانتخابية او الحزبية او الفئوية، على الرغم من تلك الحقيقة العلمية الراسخة والمبرهن عليها تاريخياً وعملياً وعلمياً، يبدو ان البعض من هؤلاء السياسيين لا يكترث الا بمنظوره الطائفي والعاطفي الضيق من اجل ارباحه الشخصية فقط، لم يكتف هؤلاء «الهواة» والمراهقون السياسيون المندسون في التيارات والأحزاب والجماعات الفئوية والطائفية بدرس الغزو العراقي حينما أخذ الكثير منهم بمناصرة المجرم صدام حسين قبل غزوه الغاشم، ولم يكتفي هؤلاء بإحراج الكويت عندما اتخذوا منها منصة دعم جحافل «المقاتلين والغزاة» في سورية والعراق وأفغانستان وغيرها من البلدان، ولم يكتف هؤلاء من تمويل الجماعات الإرهابية التي اشارت اليها التقارير الدولية، بل هم حتى الآن ورغم سقوطهم المدوي في جميع تلك المراهنات لا يزالون يراهنون على تدفق عواطفهم الطائفية في مسائل تتعلق بالأمن القومي الكويتي والمصلحة العليا للدولة. 
ان خطورة تأثّر السياسة الخارجية بالمنظور الطائفي ستعصف بالكويت، لا سمح الله بذلك، في أتون مخاطر كبيرة تهدد اركان الأمن الوطني برمته إقليماً، لا يبدو ان المسرح السياسي هادئ دون مفاجآت واهتزازات مرتقبة ضمن مرحلة «مسرح الحرب الدافئة « القادمة، في حين يبدو واضحاً بأن البعض من هواة السياسة يريدون ان تنزلق الكويت في اجندات وترتيبات ليست في صالح توازنها السياسي. 
فمن يعتقد بأن مسرح الاحداث بين كل ايران والولايات المتحدة في المنطقة قد اسدل عليه الستار فهو بالتأكيد مخطئ! فالمرحلة القادمة ستكون في تقديري اكثر حساسية لانها ستكون متراوحة بين الحربين الباردة والساخنة بين البلدين. وخطورة هذه الحرب الدافئة تتجسد في خطورة ارتفاع وتيرة حرارتها في اي لحظة على الرغم من جنوح الطرفين الى سيناريو «لعبة الدجاجة» الذي أخرجهما منتصرين امام مناصريهما ومهزومين امام معارضيهما في وقت واحد. ومن هنا الى حد اعادة ترتيب الخطوط الحمراء خاصة في العراق، سيكون الوضع حرجاً للغاية وقابلا لنقل أعراضه الدموية لدول الجوار.
لذلك، اتمنى على وزارة الخارجية ورئاسة الوزراء الا تنصت او تسمح لتلك المضاربات السياسية الخاسرة في اللعب على طاولة قمار المراهقين والمتعصبين لانها حتماً ستنعكس على محصول الدولة من سياسة الحياد التي تتبعها منذ سنوات طويلة.