إشكالية الحوار مع أتباع الآلهة البشرية


في البدء أود التنويه إلى إنه مردود علي كل ما قد أشطح به من مسلمات في نظر أي طرف من الأطراف، لأن هدفي هو حوار وتفاعل مع الآخرين وليس درس موعظة، لا سمح الله.
يختلف البشر ويتخالفوا في شعور وفهم ومصلحة، وقد تقود خلافاتهم هذه الى نزاعات وحروب، والى عداوات وأحقاد قد تمتد الى آجال طويلة.
ولعل الاختلافات والخلافات الروحية هي أكثرها غوراً وتعقيداً في نفوس البشر لارتباطها، غالباً، بمسائل غيبية وغير محسوسة، ولا تخضع إلى مقاسات مادية صريحة وواضحة، وما يزيد في الطين بلة هو ان كثيراً من المصالح المادية والذاتية وبالتالي الاختلافات والخلافات بشأنها يجري تعليبها في إطارات روحية أو أشبه بالروحية وتصبح بالنسبة للغالبية مقدسة وغير قابلة للنقاش والمساومة.
والآلهة، وببساطة شديدة، هي قوى ينظر لها ويتعامل معها أتباعها كونها قوى خارقة، حكيمة وعزيزة وجبارة في تأثيرها في الكون وحياة البشر، بتعبير آخر، هي مصادر الخير والشر، ومراجع الثواب والعقاب.
ولقد عرفت البشرية، في ما وصلنا عنها من تاريخ، مئات وربما آلاف الأديان والمعتقدات الروحية، كما ذهبنا الى تقسيمها بين وضعية، أي بشرية في أشخاصها ودنيوية في تعاليمها، وبين سماوية في رسلها وأنبيائها وشرائعها. وبناء على ذلك يشيع بين الناس، عموماً، سماوية الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والاسلام، حيث تراجعت كثيراً من الديانات والوثنيات الاخرى، لكنها لم تختف تماماً بل راحت تظهر بأشكال ودرجات وتأثيرات مختلفة. فالمدارس الروحية والفكرية والعقائدية والاثنية والطائفية، لا بل والسياسية والاقتصادية التي تخرج بها شخصيات بشرية مؤثرة تقنع وتجمع من حولها من مؤمنين وأتباع ومناصرين ومريدين مستعدين أحياناً بالتضحية بأرواحهم من أجلها.
وتكمن المشكلة في الايمان الأعمى بتلك الشخصيات، وما جاءت به ويصير كل حوار حديث طرشان بين أطراف لا تفهم ولا تقبل غير ما تؤمن به.
فإذا كان الماركسي لا يؤمن أساساً بصحة ما يقوله الديني والقومي، والعكس بالعكس صحيح، فإن الماركسي والقومي في هذه الحال، مؤمنين بالتالي بما يشبه بآلهة المتدينين في واقع وناتج الأمر. 
من هنا فقد تحولت تلك الشخصيات المفكرة الى آلهة بشرية، وطروحاتهم الى شرائع غير منزلة، يصعب معها اقناع مناصريهم بخطأ ما يعتقدون أو مناقشتهم في ما هم به مؤمنون، وعندها لا يقوم حوار أو لا ينفع.
لكنه بقي علي أن أقول: إنه لا ينبغي لنا أن نبخس حق ومكانة مفكرينا وعلمائنا وقادتنا في النهوض وإنارة سبل الحياة، فالأمم والشعوب المتقدمة لم تكن لتنهض دون مفكريها وعلمائها، لكننا لا يجب تأليههم.