مذكرات القاتل الاقتصادي


تابعت في الأيام الأخيرة بعض الحلقات من برنامج رحلة في الذاكرة على القناة الروسية «RT ARABIC» على «اليوتيوب» والتي استضافت الخبير الاقتصادي والسياسي الأميركي جون بيركنز والملقب بالقاتل الاقتصادي وهو مؤلف الكتاب الشهير (اعترافات قاتل اقتصادي) والذي صدر في عام 2004 وترجم الى ثلاثين لغة وتصدر قائمة المبيعات لسنوات.
ويحكي بيركنز في هذا الكتاب عن السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وصعودها المرعب اقتصاديا و عسكريا من خلال الهيمنة الاقتصادية أو بمعنى أدق على حد وصفه «القتل الاقتصادي» للدول والتحكم فيها لدرجة اسقاط أنظمة حاكمة واستبدالها بأخرى تعمل وفق ما تمليه السياسة الأميركية التي تسعى الى نهب ثروات الشعوب واغراقها في الديون.
والحقيقة أن الرؤساء المتعاقبين على حكم الولايات المتحدة وكذلك أعضاء مجلس النواب ومجلس الشيوخ وباقي منظومة الادارة الأميركية لا تعمل بشكل فردي اجتهادي ولكن وفق خطط ومنهج تفرضه المصالح الاقتصادية والسياسية العليا لعدد قليل من كبار الرأسماليين أصحاب كبرى الشركات في العالم والتي يقع مقرها في الولايات المتحدة ولها نصيب الأسد من البنوك ووسائل الاعلام وهو منهج لا يقيم للأخلاق والقيم والانتماء للوطن أي وزن على الاطلاق فقط الهيمنة السياسية والاقتصادية وسلب ارادة أغلب شعوب دول العالم.
ولكن اذا تركنا جون بيركنز وكتابه والولايات المتحدة وهيمنتها لنتحول الى نوع آخر من القتل الاقتصادي والسياسي وهو نوع يقع محلياً بين أبناء الشعب الواحد حيث نوع آخر من صراع الهيمنة القائمة على المصالح الاقتصادية والسياسية أيضا والذي يدفع ثمنه الوطن ووحدته ونزاهة شعبه، وهي معركة لم ولن تنتهي الا بتطهير جميع وزارات و مؤسسات الدولة بما فيها مجلس الامه من الفسدة والمنتفعين، هي معركة بدأت بالضغط الشعبي على الحكومة حتى تقدمت باستقالتها لحضرة سيدي صاحب السمو أمير البلاد حفظه الله ورعاه ولن تنتهي الا بكشف كل رموز الفساد ومساعديهم.
لقد نجح الحراك الشعبي على مواقع التواصل وفي ساحة الارادة في تحقيق الحد الأدنى من المطالب وطرح الثقة في بعض الوزراء للاستجواب واستجلاء الحقيقة حيث قامت الوزيرة الدكتورة جنان بوشهري في جلسة 12-11-2019 بالتفنيد والرد على نقاط الاستجواب ولكن صرحت في نهاية استجوابها أنها تدفع ثمن محاربة الفساد والحفاظ على أموال الدولة بسبب قراراتها بحرمان الشركات المتعثرة من مناقصات الدولة والتي يبدو واضحا أن هذه الشركات مسنودة من بعض أصحاب المصالح والمنتفعين وأن الشركات أصبحت أقوى في قاعة عبدالله السالم وأنها تستقيل من منصبها وهي مرفوعة الرأس لأنها ردت على طلب طرح الثقة الموقع من بعض المتضررين من قراراتها الوزارية، والحقيقة أنها أحسنت في الرد بالحجة والدليل 
فنحن هدفنا كشف الفساد ومن يقف وراءه ولا نشخصن قضايا وطننا العزيز.
الحديث عن القتل الاقتصادي والسياسي والاداري يطول جداً، ومواجهة الفساد أمر شاق ومرهق ولكن تصحيح مسار الوطن واجب مقدس وأنا اعتقد أن هناك الكثير من المفاجآت ستحملها لنا الأيام القادمة بشرط استمرار الضغط الشعبي المغلف بالوعي والادراك الصحيح وتقديم المصلحة العليا للوطن وللأجيال القادمة.
نحن نعلم يقيناً أن حضرة صاحب السمو وولي عهده الأمين لن يدخروا جهداً في معاقبة من تسول له نفسه الاضرار بمصالح الوطن ومكتسباته التي دفعنا ثمنها غالياً لكي نفخر بوطن ديموقراطي عظيم هو أمانة نسلمها جيلاً بعد جيل لتبقى رايته عالية خفاقة.