لقاء بعد فراق طويل


كان جدّي يعرف رجلاً كبيراً في السن يعيش وحيدا في بيته من دون زوجته وعياله، فكلّما سأله جدّي أثناء تردّده عليه كل شهر عن الأسباب لا يجيبه ويسوء حاله.
وفي يوم من الأيّام كانت ظروف ذلك الرّجل صعبة إلى حدٍّ ما وكان يفتقد وجود أبنائه، إلى أن أتى يوم وتحدّث لجدّي عن قصّته الغريبة والمحزنة، فقال إنه قبل خمسة وعشرين عاماً وبعد خلاف شخصي بينه وبين زوجته، خرجت زوجته وأخذت معها عيالها إلى مكان غير معلوم، وحاول أن يتواصل معهم بشتّى الطّرق فلم يجد أي طريق للوصول لهم، لا من طريقها ولا من طريق أهلها، وبعد سنوات طويلة فقَد الأمل على الرّغم من اشتياقه لأبنائه، فكانت دموعه كالسّيل الجارف لا تتوقّف، فكان جدّي يواسيه ويبكي معه، فأراد جدّي أن يمد له يد العون على الرّغم من يأس الرجل من عدم الوصول لنتيجة حيث إنّه كان يقول: «ترَكت فرصة لقاء أبنائي للقدَر فربّما يتذكّرني واحد منهم فيسأل عنّي بعد أن نسيني طوال هذه السنوات الطويلة».
سبحان مَن أزِمّة الخلق والأقدار بيده، أحيانًا نشعر بوجود يد غيبية تهيّئ الظروف ولو كانت أشبه بالمستحيلة لتحقيق غاية تُفرح العبد المسكين، وهذا ما كان جدّي يشعر به تجاه هذا الرّجل، فكان جدّي يبحث عن أخبار أبناء هذا الرّجل داخل وخارج البلاد.
عند زيارته لأحد المحلّات التجارية التقى بصاحب المحل وفتح حوارا معه، كان يستخدم جدّي هذا الأسلوب في السؤال عن الناس ليكوّن سجلا من أسماء الفقراء والمحتاجين، وعند لقائه بصاحب المحل تحدّث الرّجل عن أخته وأبنائها الذين تركوا ربَّ أسرتهم لخلاف نشبّ بينهم قبل خمسة وعشرين عامًا، فأخذت الأم أبناءها وهاجرت لبلادها فلم تعد هي والأبناء بعد هذه القصّة.
تفاجأ جدّي وقال: «يا لمحاسن الصّدف»، وبعد السّؤال الحثيث عنهم وعن أسمائهم وإذا بهم هم هؤلاء أبناء ذلك الأب الوحيد، الذي كان يبحث عنهم طوال تلك السنوات ولمدّة ربع قرن، لقد اكتشف جدّي أن هذه العائلة هي نفسها عائلة صديقه الرّجل الوحيد، فتمكّن بطريقة ما من التّواصل معهم ودعوتهم للعيش في الكويت، فوجد لهم فرص عمل في الكويت نظرًا لحاجتهم لكسب المال وإعانة والدهم، ولم يخبر جدّي الرّجل بقدوم أبنائه للكويت ليفاجئه.
جاء ذلك اليوم الذي لا أنساه، ذلك اليوم أعدَّ له جدّي منذ مدّة طويلة حيث نسّق كل الأمور الخاصة بهؤلاء الأبناء من تذاكر سفر وسكن ووظائف، إلى أن أتى ذلك اليوم الخالد في ذاكرتي والذي كان يصادف يوم الجمُعة في الساعة الخامسة عصرًا حيث ذهبنا لمطار الكويت الدولي، وكان جدّي يعدّ الدقائق مترقّبًا قدوم الأبناء ليُقلَّهم إلى والدهم، فوصلوا بالسّلامة إلى أرض الكويت واصطحبناهم إلى منزل والدهم، فطرقنا الباب وإذا بمنظر تقشعر له الأبدان وتدمع له العيون فكان اللّقاء غير اعتيادي وينبغي كذلك، لأنّه لقاء بعد ربع قرن، فمن شدّة الفرح كان الأب يُقبّل رؤوس أبنائه، وأبناؤه يُقبّلون رأسه حتّى غشي على الأب، فانهالت دموع الجميع من شدّة الفرح وعظمة الموقف.
 عاش الأبناء مع أبيهم في بيته وبإصرار من الأب والأبناء وضعوا صورة جدّي على أحد حوائط المنزل ليتذكّروا فضله عليهم بعد أن أرجع شمل هذه العائلة ولكنّ جدي لم يوافق على هذا الأمر، إلّا أنني أعلم علم اليقين بأنّهم لا يحتاجون لصورة جدّي في بيتهم لأنّ بعد هذا الموقف حتمًا كانت صورة جدّي محفورة في قلب كل فردٍ من أفراد هذه العائلة.
لقد كان -رحمه الله- رحومًا وعطوفًا بالكبار والصّغار يسعى لإسعاد الجميع.