غصّة افتقاد الأبناء


في أحد أيّام عطلة منتصف السّنة (نُطلق عليها عطلة الرّبيع)، حيث كانت الأجواء عاصفة والأمطار غزيرة وصوتُ الرّعد يزلزل منطقتنا بين السّاعة والأخرى، خرجت بمعيّة جدّي لتعبئة وقود السيّارة للذّهاب إلى موعد مع أحد التجّار، وبعد ركوبنا السيّارة تلقّى جدّي اتّصالًا من امرأة اعتاد أن يساعدها 
ويساعد أبناءها، فكانت تصرخ وتطلب نجدة جدّي، فقالت بذعر لجدّي:
«أنا محتارة يا عمّي، لقد خرَج ولدي ذو الأربع سنوات منذ أربع ساعات ولم يعُد بَعد، لا أريد الاستعجال في الاتّصال على النجدة»، فأخبرها جدّي بأنّه قادمٌ حالًا فغيّرنا المسار مباشرةً متّجهين نحو منزل هذه المرأة، وبينما نحن نقترب من المنزل وإذ بالسيّارة تتوقّف، يا له من حظٍّ سيئ إذ نسينا أمر وقود السيّارة بعد الاتّصال الهاتفي.
قام جدّي وخرَج على كِبَر سنّه ذهبنا مشيًا نحو بيت المرأة وإذا بها في حالٍ محزن، فكانت تلهج وتنادي باسم ولدها المفقود، فخرجنا أنا وجدّي لنبحث عنه في المنطقة المقاربة للمنزل وسط المطر الغزير وكلّما زادت غزارة المطر زادت غزارة دموع الأم المسكينة، إلى أن أدركَتنا صلاة المغرب، فذهبنا للصّلاة حيث قال جدّي للأم: «لنذهب للصلّاة، عسى الله يهدينا لولدك».
وبعد أن انتهينا من صلاة المغرب، اقترح جدّي أن نلقي نظرةً أخيرة على أحد الأزقّة قبل أن نتّصل على النّجدة، فلمَحنا طفل محتم بشجرةٍ من المطر الغزير، وبعد أن اقتربنا من الشجرة رأيناه يرتجف وفي حالة ذعَر، وحقًّا لا أعلم ما إن كان ارتجافه خوفا من الضّياع أم من البرد أم من أمّه، فصرخ جدّي: «لقد وجدناه»، فجاءه الطّفل راكضا بأقصى سرعة لديه إلى أن اعتنق جدّي وتشبّث به ولم يتركه لدقائق طويلة، فخلع غترته واستخرج بشته الخاص به من سيّارته وألبسه الطّفل حتى يحميه من برودة الجو والبلل، وكان جدّي مبلّلَا وثيابه متّسخة بالطّين والغبار نظرا لأحوال الطقس أثناء البحث، فأعاد الطّفل إلى منزله وفرَحَت الأم بعد أن رجع ولدها للمنزل آمنًا من الضّرر.
أتذكّر كيف كانت مشاعري يومها، فكنت في غاية الفرح لعثورنا على الطّفل الضائع، وفخور بإنسانيّة جدّي وسعيِه في البحث عن الطّفل وكأنّه أحد أولاده أو أحفاده.