لبنان فوق صفيح ساخن


تعيش لبنان هذه الأيام على صفيح ساخن، فالمظاهرات التي اجتاحت بيروت في يومها السابع، لم تعد تحمل في طياتها المطالب البسيطة، بإلغاء زيادة الضرائب في موازنة 2020، بل تعدت ذلك بمراحل، وكأن الوعي اللبناني انتفض ضد الخارطة السياسية و تحالفاتها الفئوية والطائفية منذ اتفاق الطائف.
فلم يصبح لجوء اللبنانيين إلى الشارع للتعبير عن غضبهم سلوكا متواترا إلا خلال السنوات القليلة الماضية، على خلفية تردي الأوضاع الاقتصادية، والاتهامات المستمرة للطبقة السياسية بالمسؤولية عن الإخفاق في محاربة الفساد، وعليه انطلقت في17 من أكتوبر مظاهرات وصفت بالأضخم في زخمها وانتشارها، وكان تحرك المحتجين في بيروت ومدن أخرى في بدايته تعبيرا عن رفض زيادة الضرائب على الاتصالات بوسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تصبح موجة غضب شعبي تنديدا بالطبقة السياسية كلها والمطالبة برحيل رموزها.
وأمام الغضب الشعبي المتزايد، خرج الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله بكلمة أشبه بالتهديد منها إلى التوضيح، معتبرا أن حزبه لا يؤيد استقالة الحكومة إثر الاحتجاجات، قائلا إن البلاد أمامها وقت ضيق لحل الأزمة الاقتصادية، وأنه يدعم الحكومة الحالية «ولكن بروح جديدة ومنهجية جديدة»، كما رفض الأطروحات التي تدعو إلى تشكيل حكومة تكنوقراط، وإلى انتخابات نيابية مبكرة، مؤكدا أنه إذا استقالت هذه الحكومة فمن غير المعلوم أن تتشكل الحكومة في غضون سنة أو سنتين، واتهم بعض القوى السياسية بالتنصل من مسؤولياتها وإلقاء التبعات على الآخرين، وقال إن هذا الأمر لن يفضي إلى أي نتيجة وينم عن انعدام روح الوطنية، بل دعا إلى محاكمة الوزراء المستقيلين، وبالمقابل دعا سمير جعجع زعيم حزب القوات اللبنانية إلى استقالة وزراء حزبه من الحكومة لعدم جديتها في حل الأزمات المتلاحقة.
من جهة أخرى رد المحتجون، على مسودة الورقة الإصلاحية لرئيس الوزراء سعد الحريري، لتهدئة الاحتجاجات العارمة التي تشهدها البلاد، بسبب تردي الأوضاع المعيشية.
وقال متظاهرون تجمعوا في ساحة رياض الصلح وسط العاصمة اللبنانية، بيروت، إنهم لا يثقون بالورقة الإصلاحية ولا بحكومة الحريري، معتبرين أن الأمر لا يعدو كونه المماطلة ومحاولة كسب الوقت.
وشدد مجموعة «لحقي»، وهي إحدى الجهات المنظمة للاحتجاجات، في بيان ردا على «ورقة الحريري» إن مطالب المتظاهرين هي:
1 - الاستقالة الفورية لحكومة الضرائب الجائرة والمحاصصة الطائفية.
2 - تشكيل حكومة إنقاذ مصغرة من اختصاصيين مستقلين لا ينتمون للمنظومة الحاكمة على أن تتبنى الخطوات التالية:
- إجراء انتخابات نيابية مبكرة بناء على قانون انتخابي عادل يضمن صحة التمثيل.
- إدارة الأزمة الاقتصادية وإقرار نظام ضريبي عادل.
- تحصين القضاء وتجريم تدخل القوى السياسية فيه.
وفي خطوة لم يتوقعها كثيرون، عرفت المظاهرات في لبنان، نفسا حضاريا و مدنيا، حيث صبّ المتظاهرون جام غضبهم على النخبة السياسية، في تحد نادر للعائلات السياسية من مختلف الطوائف وأمراء الحرب الذين يقول هؤلاء إنهم أوصلوا البلاد إلى حد الخراب، وفي مؤشر لتصاعد حجم النقمة الشعبية، بدا لافتا خروج مظاهرات غاضبة في مناطق محسوبة على تيارات سياسية نافذة، أحرق ومزق فيها المتظاهرون صورا لزعماء وقادة سياسيين، رافعين الأعلام اللبنانية لا الحزبية، ومطالبين بكسرة خبز ولقمة عيش بعيدا عن الانتماءات والحسابات الطائفية الضيقة.
وفي غضبة اللبنانيين التي عاشتها شوارعهم طيلة الأيام الماضية، لم يسلم أي زعيم، مسيحيا كان أو مسلما، من غضب المحتجين، في استعراض نادر للوحدة في بلد تمزّقه الطائفية وتتحكم في مفاصله السياسية وتحدد مواقفه وتحركاته.
وفي غضبتهم أيضا، تجاوز اللبنانيون سقوف الأزمة الاقتصادية التي حركتهم في يومهم الأول، وامتد خطابهم وشعاراتهم ومواقفهم إلى النظام السياسي الذي يحكمهم ويتحكم في مصائرهم طيلة عقود من الزمن، تأتي هتافات اللبنانيين وشعاراتهم بتمرد واضح على النظام السياسي الذي أفرزته الحرب الأهلية وتواضع عليه سياسيو لبنان في الفترة اللاحقة عليها.
لتدخل لبنان مرحلة جديدة قوامها أن سبب الإدارة السيئة والفساد هو التقسيم الفئوي، والطائفي للسلطة، فهل سوف تنتصر إرادة اللبنانيين بدولة مدنية لا مجال فيها للأحزاب الطائفية؟ أم أن هناك مستجدات جديدة؟