الاستخبارات البريطانية والبحث عن «عميل» كويتي


أثناء انشغالي في مراجعة ادبيات سياسية وتاريخية لإحدى الدراسات التي اعتزم القيام بها، سقطت بين يدي بعض الوثائق البريطانية المثيرة والتي تحتاج الى تحليل وتدقيق سياسي واجتماعي وانثوبولوجي قي سياق تطور المجتمع الكويتي، بعض من تلك الوثائق البريطانية تتعلق بمجال تهريب السلاح في الكويت والخليج (ملف الوثائق البريطانية المنشور على الصفحة الالكترونية لمكتبة قطر الوطنية)، ومن المعروف بان الإمبراطورية البريطانية قد وظفت آلاف العملاء السريين في جميع ارجاء المستعمرات التي لا تغيب عنها الشمس، وقد اعتمدت بشكل رئيس على نظام الوكلاء المعتمدين من المواطنين البريطانيين، اما العملاء السريين فقد كانوا خليطا من بريطانيين، ومواطنين من جنسيات كثيرة بحيث اصبح لديها أرشيفاً عالميا بهذا الخصوص، وفي الوثيقة التي تحمل رقم المرجع:IOR/R/15/5/46 في ملف الاتجار بالاسلحة من الارشيف البريطاني رقم 496-183 والمرسلة من ضابط الاستخبارات البريطانية في مدينة بوشهر الإيرانية الميجر C. C. R. Murphy، الى الوكيل السياسي في الكويت بتاريخ 13 سبتمبر 1913 مفادها التالي:
«توظيف عميل من الكويت له خبره سابقة وعلاقة بتجارة السلاح، ويعرض عليه مبلغ 50 ربية في الشهر وذلك لتزويده بمعلومات حول تجارة السلاح»، وهو ما يدل على أن هذه التجارة رائجة في الكويت وتعتبر احد أسس اقتصادها، ويعتبر هذا المبلغ المعروض حين ذاك كبيرا جدا اذ يمكن لم بقبل الدور ان يكون ثريا خلال فترة قصيرة من الزمن، وعلى الرغم من ذلك، كان رد الوكيل السياسي في الكويت بتاريخ 24 سبتمبر 1913، سلبيا حيث علل ذلك بصعوبة وجود من يمكن ان يعتمد عليه وان محاولاته منذ مجيئه للكويت باءت بالفشل، ودعاه الى محاولة إيجاد احد من جهته في مدينة بوشهر حيث إن كل تجار السلاح في الكويت تقريبا هم من من أصول إيرانية (الوثيقة المنشورة في صفحة 187 في ملف الوثائق البريطانية الخاصة بتجارة السلاح في مكتبة قطر الرقمية). ولكن أيضا كان رد نائب المقيم البريطاني في بوشهر الكابتن بيردوود على الوكيل السياسي في الكويت ان من الصعب إيجاد شخصية من تجار بوشهر تستطيع القيام بهذا العمل، (الوثيقة في صفحة ١٨٩)، وفي هذا السياق المثير اعتبر الوكيل السياسي البريطاني الكابتن شكسبير في رسالة له للمقيم البريطاني في بوشهر بتاريخ 18 أكتوبر 1913، ان محاولة توظيف احد رعايا الكويت لهذه المهمة قد تثير غضب الشيخ مبارك، ويردف قائلا، ان سياستنا لمكافحة تجارة السلاح تقوم على الثقة في الشيخ مبارك خاصة خلال الثلاث سنوات السابقة والتي قدم فيها الشيخ مبارك ادلة على جديته في مكافحة تهريب السلاح والتي كان آخرها شخص يدعى محمد علي الياس مدوه (او مدو) من سكان الكويت وفِي حوزته رسائل واموال لتجارة الأسلحة من عمان الى الكويت وقد تم تسفيره من قبل السلطان العُماني للكويت والتي طلب من شيخها الامير مبارك ان يقوم بمعاقبته.
ملف 6-13 المرجع: 
‏IOR-R-15-5-46. (الوثيقة في صفحة 193).
ومن المعروف بأن البريطانيين كانوا مستائين أيضا من السلطة الكويتية لكونهم يعرفون تماماً بأن هناك عددا من تجار السلاح الكويتيين يقومون بهذا العمل الذي اصبح له مردود اقتصادي كبير على المجتمع والسلطة حينذاك، ومصدر هذا الانزعاج بان هذه التجارة كانت الكويت لها حاضنة في الوقت الذي تشهد مناطق في كل من العراق وإيران والجزيرة اضطرابات ومعارضة للمصالح البريطانية. 
وبهذا الصدد تشير احد الوثائق المنشورة في صفحة 203 من ارشيف الوثائق البريطانية الخاصة بتجارة السلاح في مكتبة قطر الرقمية والتي تحمل مهر ظابط الاستخبارات البريطانية في بوشهر منذ تاريخ 24 ديسمبر الى شهر يناير 1914، تم رصد 200 قطعة سلاح في البصرة- الزبير، مصدرة من الكويت، وكذلك قطع سلاح اخري مهربة من الكويت المحمرة، وايضاً شحنة اخرى للزبير. (الصفحات من 203 الى 209). ومن شدة الانزعاج البريطاني فقد اصدر الادميرال الإنجليزي في بومباي وفي شهر فبراير من عام 1914 امرا لجميع الممثلين والمقيمين البريطانيين في منطقة الخليج انه وفِي ضوء تقارير ضباط الاستخبارات العسكرية يتعين تفتيش جميع السفن الكويتية بصفة منتظمة. (الصفحة رقم 219). ومن الجدير ذكره انه وفي صفحة 307 احدى الوثائق البريطانية تشير الى ان الحاج نجف بن غالب هو وكيل الشيخ مبارك في مسقط وهو المسؤول عن تصدير السلاح للكويت، كما اشارت الوثائق أيضا 
الى تاجر آخر له دور كبير من عائلة معرفي الكريمة وهو محمد علي معرفي وأبناءه اسماعيل وإبراهيم وصالح رحمهم الله جميعاً.
خلاصة القول، بان الوفاء والولاء اصل اصيل في جينات الكويتيين الذين احبوا الكويت وأحبوها، ولم تنزلق ارجلهم ولم تمتد أيديهم الى الإتاوات التي تأتي من الخارج او الداخل سواء كانت في مجال السياسة او الاقتصاد أم «الاعلام». هذه هي حقيقة متأصلة في الذات الكويتية، اما من عمل بخلاف ذلك فليذهب لفحص جيناته.