الملكة نفروسوبك سيدة النساء في عصرها


تحدثت في مقالات سابقة في جريدة «الكويتية» العراء عن شخصيات نسائية صنعن التاريخ، واليوم أرجع إلى الماضي السحيق لأقف عند شخصية الملكة الفرعونية نفروسوبك وتذكر المصادر الإرشيفية، أنها ابنة الملك أمنمحات الثالث في تاريخ حكم الفراعنة لمصر، وهي أيضا أخت الملك أمنمحات الرابع، وخليفته على عرش مصر بعد أن مات ولم يكن له وريث للعرش، وكانت مدة حكمها ثلاثة أعوام وأربعة أشهر وأربعة وعشرين يوماً كما جاء في بردية القوائم الملكية بمتحف تورين، وتقع مدة حكمها بين أعوام 1785-1781ق.م. كما انها الملكة الوحيدة من الملكات اللائي حكمن مصر التي ذكرت في قائمة سقارة، وتذكرها مصادر المتاحف المصرية وكتب التاريخ القديم وكتاب ملكات مصر 2017، للدكتور ممدوح محمد الدماطي.
ولقد عرفت الملكة نفروسوبك بعدة القاب منها «الزوجة الملكية العظمى» لزواجها من أخيها الملك أمنمحات الرابع» و»الوارثة العظيمة» باعتبارها وريثة أبيها الملك أمنمحات الثالث، التي حاولت دائما كما يظهر في آثارها أن تربط اسمها باسمه، وقامت باستكمال العديد من آثاره ومنها معبده الجنائزي بهوارة بالفيوم، ولقبت ايضا «سيدة كل النساء».
أشرك الملك أمنمحات الثالث ابنه أمنمحات الرابع في السنوات الثلاث الأخيرة من حكمه، وبعد وفاة أمنمحات الثالث حكم ابنه بمفرده تسع سنين، وفي هذه الفترة تزوج من أخته نفروسوبك التي لم تنجب له وريثاً للعرش، فخلفته في يسر على العرش بعد انحصار وراثة العرش وشرعية الملك في شخصها، وغالباً ما تطلعت نفروسوبك للاستقلال بالسلطة، وقد اتيحت لها الفرصة بلا شريك أو منافس، فأخذت بها ووطدت لنفسها، الا أنه ربما واجهتها بعض المتاعب لكونها إمرأة، فمهدت لنفسها بتألية أبيها وإظهار دعمه لها، لتمكين ملكها، من خلال ربط أعمالها بأبيها الملك امنمحات الثالث، كملك اله، ويبدو أن عبادة وتأليه الملك أمنمحات الثالث بدأت في عهد أخيها وزوجها الملك أمنمحات الرابع الذي حكم تسع سنين فقط، لكنها قامت على رفع مكانة هذه العبادة وتزكيتها لما سيعود عليها من مكاسب لرفع مكانتها كابنة هذا الملك المؤلة كنوع من الدعاية الدينية السياسية الداعمه لها، وقد أكملت معبده الجنائزي وقامت على اقامة شعائره.
بذلك تمكنت نفروسوبك من حكم البلاد كملك مستقل وتمتعت بوضع سياسي مستقر في مصر وبلاد النوبة التي كانت - أيضاً- تحت سيطرتها، ولم يشب عصرها اي تمردات ضد حكمها، ولم يتم محو خراطيشها بعد موتها كما حدث مع الملكة حتشبسوت، لكنها كانت ذات نشاط عمراني محدود يتفق مع مدة حكمها القصيرة، يشير الى هذا النشاط ذكر اسمها على العديد من الاثار التي خلفتها خاصة في الفيوم وتل الضبعة في شرق الدلتا، وإهناسيا المدينة ببني سويف، وعلى أجزاء معمارية من المعبد الجنائزي لأبيها في هوارة، وحتى عند الشلال الثاني بالنوبة.
تركت لنا نفروسوبك مجموعة قليلة من الاثار، نظراً لقصر مدة حكمها، الا انها تشير الى نشاطها في الحكم، كما حرصت نفروسوبك أن تستخدم القابا مؤنثة لتظهر كينونتها وتعبر عن شخصيتها، كذلك حافظت في أغلب تماثيلها على الظهر الانثوي الا انها كانت تظهر العديد من الالفاظ الذكورية والملامح الذكورية في بعض تماثيلها بما يدعم وجودها كملك حاكم ممثل للمعبود حورس على الارض، ثم خرج فنانوها بخلط ملامح المرأة والرجل في بعض تماثيلها كنمط جديد يتفق مع المرأة الملك نفروسوبك مثلما يظهر في التمثال المحفوظ بمتحف اللوفر.
بعد أن نعمت مصر بفترة من الاستقرار والازدهار طوال عصر الاسرة الثانية عشرة، ماتت نفروسوبك ولم نعرف على وجه اليقين أين دفنت لكن كثير من المتخصصين يعتقد أنها صاحبة الهرم غير المكتمل والمبني من الطوب اللبن في شمال مزغونة بدهشور، وبنهاية حكم نفروسوبك ينتهي حكم الأسرة الثانية عشرة، وتنطوي صفحة من أمجد صفحات التاريخ المصري القديم.