عندما تتحد تجارة المال والدين تنتهي الديمقراطية


كتب الدكتور حسين البنا مقالاً في غاية الأهمية يحمل عنوان «الفساد وثنائية المال والسلطة» يشرح فيه خطورة تلاحم السلطتين الاقتصادية والسياسية في رجل واحد، وعلى الرغم من أهمية هذا الموضوع الذي أصبح بديهية في العمل السياسي، بحيث تم حظر المشتغلين بالسياسة ان يعملوا في التجارة، الا ان طرائق المكر الإنساني التي يقودها الجشع والتطلع للسلطة تلاعب على ذلك الحظر النظري واستطاع أن يكتنفه في جلباب المصلحة الواسع الذي تخرج من بين اجنابه سلطة العصا والجزرة.
ان ما هو اخطر من تلك الثنائية - المال والسلطة- هو ثنائية اتحاد تجارتي المال والدين! هنا تقع اكبر أزمات الانسانية، حيث عبرت خلال ملاحم بشرية كان ضحيتها ملايين من البشر إما قتلاً او استعباداً، لقد اتحدت قوة المال الجشعة مع روحانية الدين المصطنعة في سياق تاريخي للدكتاتوريات التي استعبدت الناس وصنعت منهم مومياءات منزوعة العقل والارادة، ومن هنا بدأت قصة التدليس السياسي الذي مارسه بكل وقاحة أخطبوط السلطتين المادة والروح الممهورتين بختم شياطين المصالح، وهذا ما حدا بالفيلسوف الكبير أبن رشد لان ينتهي بالقول، «التجارة بالاديان هي التجارة الرائجة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل، إذا اردت ان تتحكم في جاهل فعليك ان تغلف كل باطل بغلاف ديني».
ومن الطبيعي جدا ان يختفي رجل المال الجشع بجلباب بعض تجار الدين المصطنعين الذين باعوا دينهم بدنيا غيرهم، فكأن «الدين علق على السنتهم يدورونه ما دارت معايشهم» كما صرح بذلك الامام الحسين عليه السلام في مقولته الخالدة.
لقد عاثت الإمبراطوريات الدينية السالفة مثل الرومانية والفارسية والأموية والعباسية وغيرها من ممالك في اوروبا إبان العصور الوسطى فسادا وبطشا وقتلا وتشريدا بعباد الله، وفي ذات الوقت عمدت هذه الدول الى بناء اكثر المساجد والكنائس والمعابد شموخا وجمالا، كل ذلك كان باسم الدين ومن اجل «الحكام بأمر الله»، رجل الدين المنافق الذي امتهن خدمة البلاط وفي مقابله كان ملكا جبارا جامعا للذهب والفضة والجواري والقناطير المقنطرة، فكان ذلك هو الداء الذي أصاب الإنسانية بكافة أمراض ومآسي الحروب وطاعون الفتن الطائفية.
وبعد مجيء عصر التنوير والثورات السياسية التي ذهبت ببرجوازية رجال الدين والتجار ظاهريا، تبطنت تلك الموروثات في أشكال عنصرية عدة منها القومية والنازية والفاشية والابرتايد والصهيونية، ولا شك ايضا من نماذج عديدة للعنصرية المتلبسة بإسم الدين الإسلامي والعربي التي ادت الى مذابح الأرمن والأكراد والسود واصحاب الديانات الاخرى عوضا عن مقاتل الشيعة والسنة، وكل ذلك قد تم بتلاحم الثنائية الشريرة للمال الشجع ورجال الدين المصطنعين.
ولعل مشاهدات الواقع الحالي ايضا تنبؤ بما يفعله أبطال هذه الثنائية حيث تكون التجارة مع الشيطان بدلا من التجارة مع الله. 
المروجون والساعون لهذا التجارة البائدة اخذوا بالتغلغل في مجتمعات الشرق الاوسط فصنعوا من الفتن كهوفاً ليسكنها الجهلة بعدما هجروا طواعية بيوتهم الامنة، وانكبوا خلف نزواتهم العاطفية عندما تَرَكُوا عقولهم التي أودعها الله في رؤوسهم، ولقد تجلت ظواهر الانحراف في شتى الميادين، حيث استشرت الفتن والقتل والتشريد والتزوير والفساد والسرقة والمخدرات والانحطاط الاخلاقي وعقوق الوالدين والغيبة والنميمة والتمزق الاجتماعي، وكل ذلك يتم في وقت يقال إنه وقت استفحال التيارات الاسلامية وانتشارها، فعجباً عجباً ان تتكاثر هذه الظواهر بدلاً من ان تعم فضائل التسامح والصدق والصلاح والإصلاح والاحترام والحريّة والاستقامة والحب والود، أليس في ذلك مدعاة للتفكير ولو للحظات عما يدور؟ 
أليس في ذلك تناقض، حينما تنتشر التيارات التي تدعي التديّن وتستقوي وتسيطر ولكن في ذات الوقت تطفح بروائحها الكريهة المنبعثة من أكل لحوم الميتة وافشاء النميمة والبهتان والغش والخداع وألوان التزييف، وليس بالواقع القريب منا ببعيد عن تلكم النماذج اذ درج البعض ممن امتهن السياسة باسم الدين والترويج والتسويق الطائفي في بث سمومه الفتنوية في وطن الجميع بينما هو منشغل في تجميع دراهمه ودنانيره التي يحسب انها ستخلده، وفي خضم هذا الواقع المرير نذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين، الله الله في وطنكم ومجتمعكم وأرضكم ولتكن الفطنة دالة العقول، واخيرا وقبل فوات الاوان، ألم يحن الوقت لنتفكر فيما قال الله تعالى «أرأيت الذي يكذب بالدين» فمن هؤلاء المكذبون غير «الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراءون، ويمنعون الماعون»، فويل يومئذٍ للمكذبين.