الجوانب الثقافية في عملية التبادل الإعلامي الدولي


من المعروف أن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية تلجأ عادة إلى استخدام لغة إعلامية واضحة من خلال العبارات المستخدمة تجنباً للالتباس في المعاني والتفاسير، وتأكيداً للوصول إلى الهدف المرسوم، أو أنها قد تلجأ إلى الربط المزيف بينها لترك مستقبل الرسالة الإعلامية يتقبل موقفاً معيناً ويرفض موقفاً آخر، معتمداً على خبراته السابقة، من دون وعي أو إدراك أو تفكير. ويزداد أثر هذا الإسلوب على الجمهور الإعلامي الذي يتمتع بمستوى تعليمي ضعيف.
وكثيراً ما تستخدم وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية الدولية في حملاتها الدعائية، العاطفة وغريزة القطيع في توجيه الحملة الإعلامية للجماعات الإنسانية التي تربط بينها روابط مشتركة كالدين أو العقيدة أو العنصر البشري أو الجنس أو البيئة أو المهنة أو العمل أو الانتماء لتنظيم معين أو الإشتراك في حمل جنسية دولة معينة.
ومعروف للجميع أنه من الصعب جداً تحديد مدى التزام، أو عدم التزام، وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية بأخلاقية العمل الصحافي، إذ قد تلجأ في بعض الأحيان مضطرة، أو عن سبق رصد وإصرار إلى أساليب وتقنيات تتعارض مع أخلاقيات العمل الصحافي المعروفة والمعترف بها دولياً، في حملاتها الدعائية بقصد الوصول لأهداف معينة، في نفس الوقت الذي تنفي فيه عن نفسها هذه التهمة، مؤكدة إلتزامها بأخلاقيات العمل الصحافي، لأن اعترافها بالخروج عن مواثيق أخلاق العمل الصحافي الدولية، يعني فقدان مصداقيتها وانتهاء دورها الإعلامي الدولي، وهذا وضع لا يستطيع قبوله أحد.
إضافة لذلك هناك جانب ثقافي للحملات الإعلامية والدعائية الدولية، يطلق عليه إسم الدعاية الثقافية الدولية ويزداد فاعلية هذا الدور طرداً بالتناسب مع قوة ومكانة ودور الدولة التي تمارسه في النظام الدولي، حيث تركز تلك الدولة على نشر ثقافتها داخل الدول الأخرى، ما حذى بالبعض لوصف هذه النشاطات الموجه لمجتمعات الدول الأضعف بالاستعمار الثقافي، إلا أن تطور العلاقات الدولية يتطلب تفاعلاً أكثر بين ثقافات مختلف الأمم، لأنه هناك فرقا واضحا بين التفاعل الحر بين الثقافات، وبين فرض ثقافة معينة على حساب تحطيم الثقافة الأصيلة لشعب معين، من خلال استغلال عملية التبادل الإعلامي الدولي من قبل الدول المتقدمة، في حملات دعايتها الثقافية الموجهة للدول الأقل تطوراً والدول النامية.
ويدخل هذا النشاط الثقافي الهادف للتأثير على المجتمعات الأخرى ضمن الحملات الدعائية الدولية، ويشمل في طياته الآداب والفنون والتعليم والرياضة والتبادل الثقافي والمنح التعليمية ودعوة الصفوة من مثقفي الدول الأضعف لزيارة الدولة الأقوى والأكثر تطوراً للإطلاع على المنجزات الثقافية فيها.
وعلى سبيل المثال تمارس الولايات المتحدة الأميركية حملاتها الدعائية الثقافية، من خلال وسائل الإعلام الجماهيرية الدولية وهيئة الإستعلامات الأميركية التي تمارس أنشطة متعددة خارج الولايات المتحدة، ومن خلال المكتبات والمراكز الثقافية المنتشرة في العديد من دول العالم.
من خلال سعيها الحثيث لنشر تعليم اللغة الإنكليزية وأنظمة التعليم الأميركية في الخارج، وتقديم المنح الدراسية لطلاب من الدول الأخرى، وإستيعاب الطلاب الوافدين من الدول الأخرى الراغبين في الحصول على التعليم في مؤسسات التعليم والجامعات الأميركية. ومن خلال اتفاقات التعاون الثقافي الموقعة بينها وبين الدول الأخرى، إضافة لبرامج المساعدات الثقافية الأمريكية للدول النامية.
أما بريطانيا فهي إضافة لوسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية الدولية، تمارس حملاتها الإعلامية والدعائية والثقافية الدولية من خلال المجلس البريطاني الذي تمده بثلث مخصصاته المالية، مؤسسة التنمية البريطانية فيما وراء البحار Overseas Development Administration. وتدخل معظم الوظائف التعليمية التي يقوم بها المجلس البريطاني في إطار برامج المعونة الفنية. ويعمل المجلس في أكثر من ثمانين دولة، لتعليم اللغة الإنكليزية، ويصب اهتمامه على تدريب معلمي اللغة الإتكليزية في هذه الدول.
وللمجلس البريطاني مكتبات في أكثر من خمسين دولة، ويعمل على تنمية الاتصالات بين العلماء والفنانين والمهنيين وغيرهم من مثقفي الدول النامية، إضافة لإيفاده العديد من الدارسين من تلك الدول إلى أنكلترا للتحصيل العلمي والدراسي. وتختلف أوضاع العاملين في الخارج من موظفي المجلس البريطاني عن الدبلوماسيين المعتمدين. وفي حالات نادرة يكون ممثل المجلس في البلد المتواجد فيها ملحقاً ثقافياً في سفارة بلاده.
أما فرنسا فتمارس حملاتها الإعلامية والدعائية الثقافية الدولية، إضافة لوسائل الإعلام الدولية، من خلال رابطة أليانس فرانسيس «Alliance Francaise» التي أحدثت في عام 1883 بهدف مضاعفة تأثير فرنسا في الخارج، ونشر الثقافة واللغة الفرنسية في العالم. ويتبع لرابطة أليانس فرنسيس نحو 1010 لجان وجمعيات في الخارج تقوم بتنظيم المؤتمرات والاجتماعات وفتح المكتبات، ونحو 600 مركز منتشرين في أنحاء مختلفة من العالم.
ومن الشائع أن تمارس الدول نشاطات دعايتها الثقافية من خلال المراكز الثقافية التابعة لسفاراتها في الدول الأخرى، ويتولى إدارة تلك المراكز المستشارون أو الملحقون الثقافيون المعتمدون في السلك الدبلوماسي المتواجد في ذلك البلد، بينما تكتفي الدول غير القادرة على افتتاح مركز ثقافي لها في البلدان الأخرى، على نشاطات المستشارين والملحقين الثقافيين المعتمدين في سفاراتها بالخارج.
وبعد أن جاء عصر التخطي المعلوماتي للحدود القومية تبدلت الصورة خلال العشرين سنة الأخيرة من القرن العشرين، لأنه أدى إلى تحولات جذرية في وسائل تخزين، ومعالجة واسترجاع المعلومات، إزداد معه النمو السريع لتقنيات وتجهيزات الاتصالات السلكية واللاسلكية من ميكروويف، وألياف بصرية، وتكنولوجيا الأقمار الصناعية للإتصالات، وبرامج الحاسب الآلي، والإذاعتين المسموعة والمرئية، وكلها حملت معها ظاهرة الثقافة العابرة للقوميات، وهي عملية أساسية تحل فيها وبدرجات متفاوتة سياقات مختلفة، وتقوم بتنظيم الشعوب في مجموعات «أفقية» محل تنظيمهم رأسياً في مجموعات وطنية، وبمعنى آخر ترتبط الشعوب بعضها البعض بأساليب إلكترونية، وليس بالجوار الجغرافي، وليس بالثقافة الوطنية أو القومية، ويطلق البعض على ظاهرة التخطي المعلوماتي للحدود المعترف بها لدول العالم، أو الثقافة العابرة القوميات، تسمية ظاهرة «الأمركة»، بسبب التفوق الأميركي الواضح في هذا المجال الحيوي والمهم في عملية التبادل الاعلامي الدولي.