المجرم في رواية البطل أيها السياسيون


رواية الجريمة والعقاب للروائي العالمي فيودور دوستويفسكي، التي كتبها في عام 1866، من اشهر الاعمال الأدبية العالمية حيث ترجمت الى 170 لغة لما تضمنته من ابعاد اجتماعية وسياسية ونفسية صيغت بأسلوب ادبي سردي وحكائي فريد. لم تنفك الرواية عما عاناه مؤلفها إبان طفولته الى حين وفاته. فلقد عكس دوستويفسكي اجزاء من شخصيته والوقائع التي شهدها في مسيرته المعاشية في حبكة روائية مبدعة. وبالتالي، فان فهم ابعاد الرواية العميقة في شبكتها الداخلية لا يمكن فهمها الا حينما نتعقب مراحل حياة المؤلف التي ترسم ملامح شكل الشبكة الخارجية للمشهد الذي يريد ان يرسمه. وباختصار شديد، لقد عايش دوستويفسكي حياة متقلبة من حيث النواحي الاقتصادية، فمن عيشته راغدة ثرية الى حياة حط منها الضنك والاملاق الى حد التسول! كما تنقل المؤلف من حياة أرستقراطية الى شغف بالاشتراكية! ولقد تحول إرثه السياسي من حليف للامبراطور الروسي الى متهم حكم عليه بالإعدام رمياً لولا لحظات القدر الاخيرة التي أنقذته ورمته في غياهب سجن سيبيريا المتعفن! وهكذا تنقل دوستويفسكي من مسقط رأسه في موسكو الى عواصم اوربا غريبا متسكعاً احيانا وأديباً مكرما أحياناً اخرى. 
هذه التناقضات خلقت منه شخصيات متناقضة ترمي بظلالها على منهجية روايته التي ابتدعها كأيقونة زجاجية يجد فيها الكثير من البشر انفسهم بأشكال وأصناف متباينة. وجوهر روايته تلك هي كيف يكون البطل مجرما والعكس ايضا كيف يكون المجرم بطلا! 
ما لفت نظري في تلك الرواية كيف يمكن ان يكتب المجرم روايته ويصطنع من نفسه بطلاً في حين انه يكابد نفسه اللوامة التي تعترف بسريرتها بأنه في الحقيقة مجرد مجرم يبحث عن مبررات لصنائعه التي ارتكبها. ولان هذا المجرم يعي ان له من المواقف التي لا تخلو من تضحية ومن أثمان دفعها من حياته ازاء تلك المواقف، فإن صورة البطولة تراوده كبلسم نفسي يقلل من كاهل الأذى الداخلي التي تبعث به النفس اللوامة. 
لقد قتل بطل الرواية عجوزاً طماعة ثرية من اجل ان يستولي على ثروتها وهذا ما يؤرقه نفسيا ولكنه في ذات الوقت يرى ان في ذلك القتل مبررا لإنقاذ الكثير من شرورها، كما ان له من المواقف النبيلة والتي منها إنقاذ عشيقته من ممارسة الرذيلة والتي يراها بأنها عمل انساني حتى لو كان شخصيا!
الخلاصة التي يود ان يرسو عليها سفر دوستويفسكي تتجسد في انه يرى بأن عقاب الضمير او قانون الضمير لا يمكن ان ينجو منه الانسان حتى لو استطاع ان ينجو من عقاب القانون. وان عقاب الضمير يشكل عذابا سرمدياً بينما عقاب القانون يبقى مؤقتاً زائلا.
وعلى الرغم من مضي اكثر من 150 عاما على هذه الرواية الإبداعية، الا انها لا تزال تحاكي الواقع، وبالأخص الواقع السياسي، فكم من سياسي يحاول ان يرسم لنفسه رواية بطل بينما هو في الحقيقة مجرد مجرم سارق فاسد متاجر بحقوق الناس! المشكلة ليست في ان هؤلاء السياسيين الذين يعرفون حقيقة ذاتهم الإجرامية ولكن الاشكالية في ان الجمهور العربي بشكل عام هو من يحاول ان يجد مبررات لإجرامهم المشهود من خلال مواقف بطولية دعائية! 
وعلى العكس كيف يكون البطل الحقيقي مجرما في رواية البطل المجرم! فكم من مناضل ضحى لأجل أمته ومبادئة وقد قذف به في اتون فتن وألوان محن، بينما تنكر له الجمهور الذي يستعين بأكاذيب المجرم البطل كي يبرر لنفسه ذلك التنكر الذي لا يزال يختلج بشيء من اللوم في قاع النفس اللوامة.
اما في واقعنا الكويتي فليس بعيدا عن حبكة رواية دوستويفسكي حيث يكون المجرم بطلا من خلال تأليفات الابواق الاعلامية المتقلبة بين كنوز العطايا والهدايا على حساب الضمير، وكيف يتم تحويل البطل الى مجرم في حين ان الأغلب متيقن من تضحيته! هذه هي مجرد ابيات في قصيدة الانسان المحدود، بيد ان السنن التاريخية لابد وان تكشف ذلك الإجرام الشخصي والجماعي مصداقا لقوله تعالى:
«وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ».