خالد الحربان الرمز.. وزيارة لملعب العمال


من وجهة نظري أرى أن شيخ المعلقين خالد الحربان هو أحد أسباب عشق الكثيرين للرياضة، فقد كان صوته شجياً متقداً كأنه أوركسترا صاخبة بالحياة.. عرف (مايكروفونه) طريق الهدف إلى قلوب الجماهير، فتعلّى حبه عرش محبتهم، نعم. أحب أبا يوسف ولازلت حتى اليوم أحتفظ بكثيرٍ من المباريات الجميلة التي صدح فيها ونثر في سمعي نوتة الحماس، في هذه الپوستة التي إستلفتها من خالداً رائعاً آخر الصديق خالد يعقوب»نايس كويتي»، يتجلّى الحربان في تصوير مشهد لم يعد يتكرر كثيراً منذ زمن طويل بعد أن خفتت تلك السنون المفعمة بالانتصارات، رسم أبو يوسف الفرحة.. رسماً صوتياً عجن فيه كل شيء جميل في الكويت، الإنتصار، حب الوطن، الإخلاص، التحدي، الوصول، إثبات قوة الكويت ومكانتها.. كانت تلك لعمري قمة جبل الإبداع الذي بناه خالد طوباً على طوب منذ أن عرف لعبة التعليق.. بدت قصة المشهد من»هذا الكورنر».. فمرّت بعد رأس سامي إلى موجة فرح عارمة ودويّ في المدرجات فشدى الحربان.. «الله. أنا ساحر.. أنا ساحر».. واندفعت الحشود للعناق.. و استمر خالد في لوم الحكم الدنماركي الذي تغاضى كثيراً عن أخطاء النيوزيلاند مخبراً بأنه بالرغم من ذلك سيأتي النصر.. «بلنتي ما نبيه، قول ما نبيه ياحكم يا دنماركي.. حرام عليك».. حتى أهلّت كاميرة المخرج من سماء القادسية، تأخذ بانوراميةً فوق الحضور الكثيف الذي لا يعرف حتى اليوم حضوراً في مباراة كويتية كمثله.. و ليخبر خالد.. بأن الصين تحتفل والكويت..» خلاص. الألف مليون بالشارع الآن بالصين، والألف مليون في الكويت.. بالكويت وإحنا أصحاب كأس العالم أصحاب التسع نقط».. ثم أردف موجهاً منتخب الكيوي:..» وأنتوا يا نيوزلندا قولوا للإسبانيين أتاكم الكويتيون مدربون برازيليون يلعبون الكرة بفن وعقل».. وفي لافتة عزة وفروسية.. ختم كل الكلام بقوله..» خلاص. إحنا اللي نحدد من سيذهب معنا..»
 
في يوم(١٨)أكتوبر من عام ١٩٨١م. وبينما كان الأزرق يشق طريقه في رحلة الألف ميل إلى اسبانيا التي بدأها قبل أيام في عشرة عشرة بخطوة في نيوزيلندا. إتجهت الكويت كلها إلى الصين والآمال كبيرة في أبطال آسيا بأن يكسبوا محطة سهلة على حساب الفريق الصيني الهزيل في تلك الفترة، لكن الكرة أبت في ذلك اليوم إلا أن تكون (غير معقولة) في مباراة ضبابية عصيبة خسرها الأبطال بثلاثة أهداف نظيفة، يومها أضاع الملك فيصل الدخيل ركلة جزاء بعد أن سجل أخرى قبل أيام بمرمى (ويلسون)حارس النيوزيلاند، في هذا الملعب الذي زرته اليوم في بكين كانت تلك المباراة المشهودة التي حضرها عشرات الآلاف من الصينيين و حُظر على جمهور الكويت الذين لم يتعدوا عدد أصابع الكفين أن يتغنوا بأهازيجهم و مُنعوا من اِحضار الطبول.. وأدوات التشجيع، وهذا عُرفٌ جاد لإعلان الحرب عند الصينيين المتشربين بالشيوعية في ذلك العصر.. إنه ملعب العمال وسط بكين الذي وقفت فيه هذا النهار قبيل المغيب وأنا أتذكر تلك المباراة التي شاهدتها تلفزيونياً.. وصرخ فيها الحربان: «شيء غير معقول يحدث في داخل الملعب».. وخرجت الكويت بلا نقطة مسافرة إلى السعودية لتكملة المشوار.. وبعد تلك الواقعة بتسع سنوات أقيم في هذا الملعب أيضاً حفل افتتاح منافسات دورة الألعاب الأولمبية الآسيوية الحادية عشر، وقد وُضعت صورة الملعب ذاته على الميداليات الأولمبية الثلاث وهي نفس زاوية التصوير التي أخذت صورتي الواضحة منها. كانت تلك الألعاب بعد شهر واحد فقط من الغزو العراقي للكويت، حضَرت الكويت آنذاك في قلب الملعب وقلب كل من جاء لمدرجاته، و يومها نزل العلم الكويتي بالبراشوت من السماء.. وطارت الحمامات البيضاء إلى السماء، وأعلنت الصين موقفها الرافض للعدوان وهي التي نالت دعم الكويت و الشهيد فهد الأحمد للاستضافة، وقدمت الكويت وقتها ميزانية خاصة لتلك البطولة حتى تشارك في التنظيم، وقامت دول القارة جميعها بالموافقة على طرد العراق من تلك الألعاب.. فغاب العلم العراقي وحضر العلم الكويتي.. وانتصرت الصين مرة جديدة إنما للكويت.. هذه المرة.