3 رؤساء تعاقبوا على السودان خلال 72 ساعة


استغرق الحراك الشعبي في السودان 112 يوما قبل أن ينجح في ازاحة الرئيس عمر البشير عن السلطة بعد ان وصل اليها عبر انقلاب عسكري في 30 يونيو 1989.
 
ومن نفس المكان الذي استلم منه البشير السلطة قرر المتظاهرون الاعتصام في السادس من ابريل الجاري في ذكرى الاطاحة بالرئيس السوداني الاسبق جعفر النميري في عام 1985 ووصل كثير منهم إلى بوابة قيادة الجيش مطالبين بإسقاط النظام وانحياز الجيش لمطالبهم وذلك في تصعيد للاحتجاجات التي اندلعت في 19 ديسمبر الماضي.
 
في يوم الاربعاء العاشر من ابريل الجاري وبعد مضي اربعة ايام على اعتصام آلاف المتظاهرين امام المجمع الذي يضم قيادة الجيش فشلت اجهزة الامن في ابعاد المحتجين خاصة بعد ان تدخلت قوات من الجيش وقامت بحمايتهم ووصل الامر الى حد الاشتباكات النارية اسفرت عن قتل اكثر من 30 شخصا منذ بدء الاعتصام ليصل عددهم منذ اندلاع الاحتجاجات في السودان لنحو 100 شخص وفقا لتقديرات لجنة الاطباء المركزية -احد مكونات تجمع المهنيين المعارض.
 
ويقول قائد قوات الدعم السريع في السودان محمد دلقو المعروف ب"حميدتي" الذي بات نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي لاحقا وترقى لرتبة (فريق اول) إن الإطاحة بالرئيس البشير جاءت بعد إصراره على التصدي للمتظاهرين بالقوة.
 
وقررت اللجنة الامنية العليا التي تضم القيادات العسكرية والامنية والشرطية في البلاد تنحية البشير فتوجه ثلاثة من كبار الضباط فجرا الى مقر إقامة البشير في القيادة العامة للجيش وابلاغه بالقرار وانه بات قيد الاقامة الجبرية.
 
مع مطلع شمس الخميس ال11 من الشهر الجاري تفاجأ السودانيون ببث موسيقى عسكرية عبر اجهزة الاعلام المختلفة مع تنويه مستمر عن بيان للقوات المسلحة ليتأخر البيان حتى منتصف النهار ليظهر النائب الاول ووزير الدفاع عوض بن عوف الذي يقوم بأعباء القائد العام معلنا في كلمة أذاعها التلفزيون الرسمي الاطاحة برأس النظام السابق وتشكيل مجلس عسكري لإدارة شؤون الدولة لفترة انتقالية مدتها عامان تتبعها انتخابات رئاسية قبل ان يؤدي القسم رئيسا للمجلس العسكري الانتقالي مساء ذات اليوم.
 
وتحولت مشاعر عشرات الآلاف من المحتجين الذين كانوا يحتفلون في وقت سابق برحيل البشير إلى الغضب وهتف الكثيرون "تسقط تاني" بعد أن كانوا يرددون سابقا هتاف "تسقط بس" ضد البشير متحدين حظر التجول الذي اعلنه عوف الذي كان مديرا سابقا للمخابرات العسكرية وينتمي أيضا للتيار الإسلامي.
 
وأعلن تجمع المهنيين السودانيين وقوى سياسية معارضة رفضهم لما تم ودعوا الى تسليم السلطة لحكومة مدنية انتقالية تتولى ادارة البلاد لأربع سنوات معتبرين ان المجلس العسكري ليس اهلا للتغيير ولن يحقق المطالب الشعبية.
 
ويقول الكاتب والمحلل السياسي ماهر ابوجوخ لوكالة الانباء الكويتية (كونا) ان رفض عوف وسقوطه السريع أتى لعدة عوامل أبرزها ما راج عن مساندته لفض الاعتصام بالقوة كما انه لم يدخل في حوار مع القوى المعارضة ولم يشر لها في بيانه الاول ليس ذلك فحسب بل لم يأت على كلمتي الديمقراطية والحرية كما انه استفز المعتصمين بإعلان حظر التجول.
 
وشهد اليوم التالي (يوم الجمعة) احتشاد اعداد أكبر توافدت لصلاة الجمعة عندها بات من المؤكد ان الرفض للقادم الجديد للسلطة ابن عوف ليس اقل من البشير.
 
ويكشف القيادي في حزب المؤتمر السوداني المعارض -أحد مكونات تحالف قوى الحرية والتغيير- ابراهيم الشيخ في تسجيل مصور (فيديو) عن لقائه ظهر الجمعة بالمفتش العام للجيش عبدالفتاح البرهان ليستمع لمطالبهم التي تضمنت ابعاد ابن عوف وعبد المعروف وكل رموز النظام السابق والانتقال للحكم المدني والذي يتضمن المشاركة في المجلس السيادي وتشكيل حكومة مدنية بصلاحيات واسعة.
 
وفي مساء الجمعة وقبل اكتمال 24 ساعة على ادائه القسم أعلن عوف تنحيه عن رئاسة المجلس العسكري الانتقالي واعفاء نائبه كمال عبد المعروف وتعيين المفتش العام البرهان خلفا له.
 
وشغل البرهان المولود في العام 1960 منصب مفتش عام للجيش السوداني وتردد اسمه في بادئ الأمر كمرشح لإعلان البيان الأول للجيش ورئاسة المجلس العسكري الانتقالي في ظل الأنباء الأولى عن إطاحة الجيش بعمر البشير.
 
وتعهد البرهان في اول بيان له بعد ادائه القسم باجتثاث مكونات ورموز النظام السابق وتحقيق مطالب الثورة ومحاسبة من تورطوا في قتل الابرياء او من ثبت فساده.
 
واعتبرت قوى الحرية والتغيير المعارضة تنحي ابن عوف واقالة نائبه بمثابة انتصارا لإرادة الشعب الا انها قالت ان الاعتصام هو الضامن لتنفيذ ارادة الشعب ليتواصل الاحتشاد في انتظار تنفيذ متطلبات المرحلة الانتقالية.
 
ويقول المحلل ابوالجوخ ان مسلك البرهان يبدو مختلفا عن سابقه فبيانه أقرب لروح ومطالب الثوار كما انه شرع في التواصل مع قوي التغيير والاحزاب واستجاب لجل مطالبهم.
 
ويلخص الصحفي موسى حامد المشهد الدرامي الذي حدث خلال 72 ساعة بالقول في حديث لـ(كونا) ان غريب هذا التغيير الذي شمل ثلاثة رؤساء في أيام معدودة.. كان المأمول أن يكون تغييرا عبر الصندوق الانتخابي والتداول الديمقراطي للسلطة الا انه في النهاية انتصار لإرادة السودانيين.