رقابة السلطة والبهللة


لم يكن البهلول العباسي مجنونا ولا ساذجاً، ولكنه كان متظاهرا بالبلاهة حيث يدمج الحكمة بالفكاهة، وعلى الرغم من اختلاف المصادر على حقيقة هذه الشخصية، حيث اصر البعض من الباحثين على حقيقة شخصيته ويؤكدون على ان اسمه ابو وهب بهلول ابن عمرو الصيرفي الكوفي، ذهب آخرون على انه مجرد شخصية مختلقة مستعارة حيث احدثتها اقلام الكتاب والمحدثين لنسب التعبير المعارض لشخصية وهمية او لأسباب تتعلق بالقصاصين، وبطبيعة الحال، فإن من اعظم التراث السياسي الأصفر الذي طور الفكاهة السياسية كانت من تركة حكم الحجاج ابن يوسف الثقفي الذي حكم الناس بالحديد، ولكن في المقابل ادى ذلك لخروج قصص وحكايات قصيرة تتناوله وحكمه بشيء من مشتركات دراما الضحك وتراجيديا السياسة.
الكوميديا السوداء قديمة وقد دونت بداياتها لدى الإغريق خاصة في مسرحيات ارستوفان قبل اكثر من 2300 عام. لقد اختص ارستوفان بهذا النوع من الفنون حتى وصل به الامر من السخرية بالحاكم ديمون، ما عرضه للمحاكمة بتهمة الخيانة التي قضت بتغريمه فقط، كما امتدت سخريته السياسية الى اكبر فلاسفة عصره وهو سقراط، وانسحبت سخر يه باتجاه هيمنة الرجال على السياسة في عهده الى حد تأليف مسرحية عرفت باسم «برلمان النساء» حيث جعل النصف يسخر من نصفه الآخر.
ولربما كان ارستوفان فنانا ومن طبقة غنية مقتدرة سياسيا لكنه كان يود ان يوجه رسالة فنية واجتماعية نقدية، لكن ما عرف في التراث الاسلامي عن البهلول هو انه شخصية فلسفية ومثقفة يريد ان يوجه رسالة سياسية متقمصا ثوب الجنون كي ينحو من سيف السلطة، لم يكن ارستوفان مبالياً بسيف السلطة اكثر ما هو مهتم بالنقد الأدبي لظواهر وشخصيات بطريقته الخاصة، بينما البهلول كان يحمل معاناة الاستضعاف والفساد والظلم في ظل نظام سياسي حديدي لا يتحمل النقد المباح، لذا تقمص شخصية مجنونة انطلاقاً من قاعدة «وليس على المجنون حرج»، فأصبحت منذ ذلك الوقت عبارة « الجنون فنون» قولا متواتراً. 
منذ فترة طويلة وخاصة في اواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين صاحبت المسرحيات الساخرة النكتة السياسية بل غدت الاكثر شعبوية لكونها اقصر وأفكه وأقل تكلفة وأسرع شيوعاً وانتقالاً، وقد تناول عادل حمودة النكته السياسية في مصر، وبحثها كذلك هشام جابر في كتابه عن «النكتة السياسية عند العرب بين السخرية البريئة والحرب النفسية»، وهناك غيرها اعمال ادبية اخرى قد سلطت الضوء على اهمية النكات في معرفة الذوق العام تجاه السلطة التعبير الخفي والسريع عن مراقبة السلطة، ولعل عادل حموده اصاب كبد الحقيقة، حينما اشار الى تعامل جهاز الاستخبارات خاصة في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مع النكات التي يطلقها الشعب المصري يومياً، وقد اصبحت النكتة السياسية ملاذا آمنا للمتطلعين لنقد السلطة بحيث تحمل الإسقاط السياسي السهل والأكثر تأثيرا في العقل الباطن وأحيانا السلوك الظاهر، ونتيجة لبلوغ تأثير النكات السياسية على الثقافة السياسية وتحديها لثقافة النظام الحاكم التي يود ترويجها، أصدرت بعض الانظمة قوانين صارمة لمن يثبت بحقه ترويج او تكرار تلك النكات، ولا عجب من ان النظام الدكتاتوري العراقي في عهد صدام قد وضع قانونا يُنزل جريمة الإعدام لمن يصدر او يكرر اي نكتة ضد الجيش او حزب البعث الحاكم!!
ليس مقصد حديثنا الإسهاب في تاريخ الكوميديا السوداء، بل القصد هو سبر أغوار أسباب ومظاهر الحيّل السياسية التي يسلكها بعض المثقفين والحكماء من اجل الإفصاح عما يجيش في صدورهم من مكنونات سياسية.
في الوقت الراهن ومع انتشار وسائل التواصل الالكترونية الحديثة، اصبح التعبير السياسي الساخر اكثر انتشارا وابلغ تأثيرا في السلوك والثقافة السياسية، لذلك دأبت بعض الحكومات في بعض الدول لاستصدار قوانين تنزل عقوبات صارمة كالسجن بحق من يقوم بأي تعبير سياسي يمس شخصية سياسية عامة او موضوع سياسي، وذلك بأشكال ودرجات مختلفة. 
وأخذاً بنياط قلب الواقع المعاش، يظهر جليا بأن الناس قد ملوا النقد المباشر والجاد من حيث انه لا يخرج عن نطاق المعتاد وفي ذات الوقت ظنا منهم بأنه مقود بمحفزات مصلحية خاصة بالسياسيين، لذلك انتشرت فنون الكوميديا الساخرة في اوساط الاغلبية خاصة عبر الوسائط الالكترونية الحديثة، والتي اصبحت طاغية على المشهد الاعلامي في اغلب الدول العربية ومنها بكل تأكيد الكويت، وعلاوة على انها فاعلة في إيصال الفكرة فإن هذه الكوميديا تنأى بصاحبها من مسؤولية القصاص والعقاب. 
لذلك، فبدلا من الجدية والبذل الفكري للنقد السياسي والفلسفي العلمي الذي لربما يعرض حامله لمقص الرقيب او سيف العتيد، فأفضل شيء الإنسان الناقد والناقم لمجريات الواقع ممكن ان يفعله هو ان يتبهلل، لذا تبهللوا يا قوم يرحمكم الله، لتنجوا بأنفسكم من عواقب قانون الجرائم الالكترونية.