الغزو.. وتناقض الثقافة السياسية لدى الأجيال


«كم فكرت في كتابة موضوع حول ذكرى يومي الاستقلال والتحرير فلم اجد افضل، مما كتبت قبل نحو 7 سنوات» . 
معظم الكويتيين الذين عاصروا الغزو العراقي الغاشم لا يشعرون بأنه بالفعل قد مضت اكثر من 25 عاما عليه، هذا الشعور نابع من التصاق الذكريات بشدة في الذهن الى درجة عدم تحولها لخانة المنسيات في العقل البشري. الشباب الحاليون وخاصة من هم في أدنى عمر الخمسة والعشرين عاما لا يحملون ذات الشعور، وذلك بسبب عدم وجودهم أو لصغر سنهم حينها، هؤلاء الشباب وفي هذه الشريحة العمرية وتحديداً من هم بين الـ15عاما والـ24 يمثلون الأغلبية بين الشرائح العمرية بالنسبة للسكان الكويتيين، وهم كذلك الأنشط في مجال الحراك الاجتماعي والسياسي. ووفقا لتقسيمات الشرائح العمرية للشعب الكويتي فان هذه الشريحة العمرية (15 الى 24 سنة) تمثل الأغلبية من بين الشرائح العمرية الأخرى حيث تبلغ نسبتهم حوالى الـ20 % من الشعب الكويتي وان أكثر من 97 % منهم يستخدمون الشبكة العالمية للمعلومات والتواصل الاجتماعي، وفي التحليل لهذه البيانات وغيرها لربما تظهر نتائج غير متوقعة منها بأن أكثر ما يهم هؤلاء بالنسبة للقضايا السياسية والاجتماعية وغيرها هي التي وقعت خلال السنوات الـ5 السابقة حيث تلونت أفكارهم وتصوراتهم وفق الواقع الحياتي الذي جرى خلال هذه السنوات فقط، أي أن المحرك الأساسي لمنطلقاتهم السياسية مبعثه خبرة سنوات قصيرة في مقابل سنوات أطول تشترطها صناعة الدولة. وباستعراض ما جرى من أهم أحداث خلال السنوات القليلة السابقة فهي في الحقيقة لا تعكس وضعاً صحياً من حيث التلاحم الوطني في اغلب الأحيان ذلك لان الجيل الذي تعايش مع أحداث الغزو لم يستطع نقل خبرته التي خاضها في مجال التلاحم الوطني والدروس السياسية والذكريات لجيل الشباب الحالي بل إن الأغلبية من النشطاء في المجالات السياسية والاجتماعية الحاليين من الذين كانوا ما فوق الـ15عاما حين الغزو والذين هم الآن ما فوق الـ35 يبدو أنهم لم ينجحوا في نقل الثقافة والدروس السياسية المستلهمة في مرحلة الغزو للجيل النشط من الشباب الحاليين، كما أنهم لم ينطلقوا في صناعة الوطن من تلك الخبرة بل ان الكثير منهم سايروا الخطاب العام للشباب الحاليين خاصة في مجال الطرح الفئوي والطائفي، بطبيعة الحال نستطيع ان نسبح في فلك كبير من التحليلات والتصورات حول عناصر هذا التناقض في الثقافة السياسية من حيث مبرراتها وعناصرها ودوافعها حتى المتوقع منها، الا ان أهم ما يهمنا هو تأكيد حقيقة واحدة ان ما يجري في أرض الواقع من توسع في دوائر الطائفية والفئوية والصراع السياسي لا يعكس تماما تلك الدروس والخبرة التي تركها الغزو في ذهن من تعايشوا أيامه ولياليه المريرة. والفداحة تتماثل في ان المكونات والمحركات للأفكار العامة والرئيسية في المجتمع تولد وتنشأ وتتوزع وتتكاثر في شبكات الانترنت والتواصل الاجتماعي الذي كان له الأثر والحضور الأكبر في جميع التحولات السياسية في العالم والدول العربية والكويت ليس استثناء من ذلك، ان معظم التلاقح والتواصل الفكري والتصورات والآراء السياسية تولد وتتكاثر في شبكات الاتصال الالكتروني التي أكثر ما ينشط فيها من هم في الفئة العمرية التي لا تتذكر أحداث الغزو ولم تنقل لها دروسه بصورة حقيقية تؤثر في سلوكهم وتصوراتهم للحياة، ولا يحتاج المرء للكثير من الوقت ليكتشف مدى انحدار اللغة ومفردات الحوار والأساسيات والبديهيات الفكرية والحياتية التي ينطلق ويتعاطى معها أغلب من هم في الشباك العنكبوتية، والذين أظهرت النتائج حديثا بأن نسبة المستخدمين للانترنت للشريحة العمرية المذكورة (15 الى 24 سنة) تفوق الـ28 % من اجمالي المستخدمين الكويتيين لشبكة المعلومات، كل الشكر لمسلسل ساهر الليل الذي أرجع أفكارنا لتلك الأيام الخوالي والتي وان كانت بائسة ومظلمة وتحمل الكثير من الذكريات المريرة الا انها تحمل أيضا مدلولات وعبر تصب روافدها جميعا في خانة ضرورة التمسك الفعلي بالوحدة الوطنية، وبالتالي فان الذي يتعاطى معه الأغلب من هؤلاء الشباب من أفكار فئوية وعنصرية ليس صحيحة بل انها لن تقودهم لمستقبل أفضل، وان المخرج الحقيقي لما يتحسسونه من تحديات ومشاكل هو بالتواصل الحر والمباشر المبني على قواعد وتصورات واقعية عن الشريك الآخر في الوطن.