متحف البراءة


مع وضوح الأشياء، وانبثار النور، افتتح رحلة أدبية ماتعة وأجدني على طريق البراءة في حي»نيشان طاش» الاسطنبولي الذي احتوى حياة عائلة باموق هذه العائلة المسماة بالقطن، وذلك لشدة بياض أفرادها وشقارهم، ومن هؤلاء البيض، فتى يدعى أورهان، عبقري الرواية التركية وأحد أعمدة الأدب فيها، وحائز نوبل للآداب، اتخذ الجادة الضيقة التي تجرفني إلى ذلك البناء القرمزي ذو النوافذ الرومانتيكية الجميلة المعبئة بأعشاب الزيزفون، حاملاً رواية (متحف البراءة) التي قضيت من قراءتها مؤخراً وعشقت شخصيات أبطالها ومقتنياتهم التي كانت بعدد فصولها الـ83 قطعة، انطلقَت باللحظة السُعدى في حياة كمال، وانتهت بسعادة، حتى حمّل المُحب أمانة نشر لأورهان عند نهاية الأمر موصياً: «دع الجميع يعلم، بأني قد عشت حياة سعيدة جداً»، في آخر صفحات الرواية يهدي باموق كل مشترٍ قارىء تذكرة دخول مجانية لعالمه الورديّ، الذي سبحت في أرجائِه شغفاً بحكاية أسرت خيالي ورحت أبحث عن أشيائها الملموسة، والفاترينات المرصّعة بخفوت الأضواء تكشف لي عن بضاعة بوتيك الشانزليزية والحقيبة المقلّدة التي اقتناها، «كمال»لخطيبته»سيبل»والتي كانت مفتاح القصة الذي أدار الشريط، وفي زاوية معتمة إلا من شذرات ذرر، تصطف صور النساء سيئات السمعة وقد وضعت الشرائط السوداء لتخفي عيونهن وهي عادة إعلامية جرت بعد سقوط الدولة العثمانية وتحدث عنها أورهان، وفي ركن متأنق هناك يبلجُ الشعاع عن فستان فيسون الجميل المنقّش بالزهر، وأعقاب السجائر، ومنفضتها وفنجان القهوة، ومظلة البنت اليافعة التي خبأها مضيفها حينما زارته لأول مرة في شقة مرحمة، كثيرة هي الأحداث وكثيرة دلائلها المسوغاتية، والمتحف ذو الطوابق الثلاثة يشي بكل سر، عن العشق، وقصة الحب المستحيلة بين رجل ارستقراطي و»فسون» الفتاة الفقيرة في سبعينيات القرن الماضي، والتفاصيل تتجاوز حدود الحب.، لتكشف في طياتها حيرة الإنسان بين ثقافة الشرق والغرب، دون معزلٍ عن التغيرات الاجتماعية والسياسية التي أحاطت بإسطنبول في ذلك الوقت، وتركت أثراً عميقاً في قصص العشاق.