الأعشى يلتقي شيطانه


روي عن الأعشى أنه قال: خرجت أريد قيسا بن معد يكرب بحضرموت، فضللت في أوائل أرض اليمن، لأني لم أكن سلكت ذلك قبل، فأصابني مطر، فرميت ببصري أطلب مكانا ألجأ إليه، فوقعت عيناي على خباء من شعر، فقصدت نحوه، وإذا بشيخ على باب الخباء، فسلمت عليه فرد السلام، وأدخل ناقتي خباء آخر كان بجانب البيت، فحططت رحلي وجلست، فقال: من أنت؟ أين تقصد؟ قلت: أنا الأعشى أقصد قيس بن معد يكرب، فقال: حياك الله، أظنك امتدحته بشعر؟ قلت نعم، قال فأنشدنيه، فابتدأت مطلع القصيدة:
 رحلت سمية غدوة أجمالها 
 غضبى عليك فما تقول بدا لها
فلما أنشدته هذا المطلع منها قال: حسبك أهذه القصيدة لك؟ قلت: نعم، قال: من سمية التي نسبت بها؟ قلت: لا أعرفها، وإنما هو اسم أُلقي في روعي، فنادى: يا سمية، اخرجي، وإذا جارية خماسية قد خرجت فوقفت، وقالت: ما تريد يا أبت؟ قال: أنشدي عمك قصيدتي التي مدحت بها قيس بن معد يكرب، ونسبت بك في أولها، فاندفعت تنشد القصيدة حتى أتت على آخرها، لم تخرم منها حرفاً.
فلما أتمتها قال: انصرفي، ثم قال: هل قلت شيئا غير ذلك؟ قلت: نعم، كان بيني وبين ابن عم لي يقال له يزيد بن مسهر يكنى أبا ثابت، ما يكون بين بني العم، فهجاني وهجوته فأفحمته.
قال ماذا قلت فيه؟ قلت: «ودع هريرة إن الركب مرتحل» فلما أنشدته البيت الأول، قال حسبك، من هريرة هذه التي نسبت بها؟، قلت: لا أعرفها، وسبيلها سبيل التي قبلها، فنادى يا هريرة، فإذا جارية قريبة السن من الأولى خرجت، فقال أنشدي عمك قصيدتي التي هجوت بها أبا ثابت يزيد بن مسهر، فأنشدتها من أولها إلى آخرها لم تخرم منها حرفا، فسقطت في يدي وتحيرت، وتغشتني رعدة.
فلما رأى ما نزل بي، قال: ليفرج روعك أبا بصير، أنا هاجسك مسحل بن أثاثة بن جندل الذي ألقى على لسانك الشعر، فسكنت نفسي ورجعت إلي، وسكن المطر، فدلني على الطريق، وأراني سمت مقصدي «طريقي»، وقال لا تعج يمينا ولا شمالاً حتى تقع ببلاد قيس.