الإمام الحسين.. التجسيد الحيّ لمفهوم العدالة


العدل هو محور كلِّ شيء، وهو أساس تحقيق السعادة والرفاء والتقدّم، وهو الذي يحافظ على التوازن الاجتماعي، فما طُبِق العدل في مجتمع من المجتمعات الإنسانية إلّا وتحقّق له الخير والرخاء والأمن والاستقرار الاجتماعي، لذلك كلّه أمر الله سبحانه وتعالى بالعدل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل/ 90). فالعدل: هو إعطاء كلِّ ذي حقّ حقّه، ومنع الآخرين من العدوان عليه ليبقى له وليسعد به. ما دام لكلّ شيء قانونه المودع فيه، وهدفه الذي يسعى إليه، فإنّ العدل مطلوب في الطبيعة بترك الجور عليها، وحفظ توازن بيئتها، ومطلوب مع النفس فيلزمها شريعة الله تعالى، ومطلوب مع الآخر بإيفائه حقّه. لا يقوم العدل ولا يزدهر إلّا بقدر ما يتضاءل الظلم ويضعف، ولا يقوم كيان العدل ويبنى إلّا بالعدم الدائم لكيان الظلم ومواجهته. قال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِين) (الأنبياء/ 16)، (لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء/ 17)، (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) (الأنبياء/ 18). والعدل تتوقف عليه سعادة وطمأنينة المجتمع، فمن اتصف بالعدل كان محبوباً عند الناس آمناً على نفسه وماله وعرضه، فإذا ما أمن الناس وسعد المجتمع بالعدل، عمل الفرد فيه بحرّية ونشاط فيزداد الإنتاج ويستقر الأفراد. وفي العدل إنصاف للمظلوم، ورزق للمحروم، به يجتمع الشمل، وتتحد الكلمة وتدوم الرابطة، وتقوي الأواصر بين الناس. وبفضل العدل قويت الأُمم وأخذت أسباب السعة في الرزق، وعزت بعد ذل وهوان، وبه استيقظت بعد الغفلة، فالعدل سيف الحقِّ المسلّط على الباطل وأعوانه، وعلى الشيطان وحزبه، وعلى الشِّرك وجنده. فبالعدل يُظهر الله دينه ويقوي حجته، وينصر أولياءه والصالحين من عباده، فالعدل ملاك الأمر كلّه، وجماع الخير ورأس الفضائل. قال الإمام الصادق (عليه السلام): «ما أوسع العدل إذا عُدل فيه وإن قل».
العدل يبدأ من النفس أوّلاً، فالمؤمن حين تعمر نفسه بالإنصاف والتواضع أمام أصحاب الحقوق، من أهل وجيران وإخوان وعاملين معه، ويأنف من ظلمهم، ويحبّ لهم ما يحبّ لنفسه من العدل والخير، نبدأ الخطوة الأهم في بناء مجتمع العدالة، وتالياً مجتمعاً محصناً أمام مختلف التحديات. عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما كرهته لنفسك فاكرهه لغيرك، وما أحبّبته لنفسك فاحبّبه لغيرك، تكن عادلاً في حكمك مقسطاً في عدلك، مُحبّاً في أهل السماء، مودوداً في صدور أهل الأرض». وعن الإمام عليّ (عليه السلام): «غاية العدل أن يعدل المرء في نفسه».
فالإمام الحسين (عليه السلام) إنّما ثار ونهض واستشهد مع أهل بيته وخيرة أصحابه من أجل تحقيق العدل الاجتماعي، ومقاومة الظلم والظالمين، ومحاربة الفساد والمفسدين. كان الإمام الحسين (عليه السلام) التجسيد الواقعي الحيّ لمفهوم العدل في مختلف الميادين: ما بينه وبين نفسه وما بينه وبين الناس وما بينه وبين الله تعالى. وهذا ما نلمحه بوضوحه في كلماته المتفرقة:
- في جوابه لأهل الكوفة: «فلعمري ما الإمام إلّا الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الداين بدين الحقّ، الحابس نفسه على ذات الله، والسلام».
- في كلامه مع معسكر الكوفيين قبيل المعركة: «أيّها الناس، اسمعوا قولي، ولا تعجلوا حتى أعظكم بما يحقّ لكم عليَّ، وحتى أُعذر إليكم، فإن أعطيتموني النصف كنتم بذلك أسعد، وإن لم تعطوني النصف من أنفُسكم فاجمعوا رأيكم ثمّ لا يكن أمركم عليكم غُمّة ثمّ اقضوا إليَّ ولا تنظرون، إنّ ولييّ الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولى الصالحين».
سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) في عاشوراء وما قبلها تلهم كلّ إنسان حرّ وشريف ضرورة رفض الظلم نفسياً وعقلياً وعملياً، فالظلم قبيح في نفسه، وهو من أعظم الموبقات والحرمات، لذلك قال الإمام الحسين (عليه السلام) مقولته الشهيرة: «لا أرى الموت إلّا سعادة، والحياة مع الظالمين إلّا برماً». وقوله (عليه السلام): «موت في عزّ خير من حياة في ذل»، فالحياة في ظل الظلم والقهر والطغيان شقاء وتعاسة، أمّا الموت في سبيل الحقّ وتحقيق العدل فهو سعادة كما يرى الإمام الحسين (عليه السلام).
إنّ على الأجيال المسلمة والحرّة أن لا يقبلوا بأي ظلم، ولا بظلم أي ظالم، فالقبول بالظلم معاونة للظالم على ظلمه، وعليهم في المقابل العمل من أجل تحقيق العدل في كلِّ شيء، ورفض الظالم في أي شيء. أمّا الأساليب والأدوات لتحقيق ذلك فتختلف باختلاف الزمان والمكان، لكن يبقى رفض الظلم ومقاومته والسعي لتحقيق العدل أمر ثابت لا يتغير. على كلِّ واحد منّا أن يطبِّق العدل ضمن دائرته الاجتماعية ابتداءً من الأُسرة ومروراً بمكان العمل مع زملائه وانتهاء بالعمل من أجل تحقيق العدل في كلِّ شيء. وكلّ شخص يمارس الظلم ضد أحد أفراد أُسرته أو ضد مرؤوسيه أو ضد أي شخص آخر في المجتمع، فهو بعيد عن منهج الإمام الحسين (عليه السلام) وعن رسالته في عاشوراء، وبعيد عن أخلاقياته ومناقبه الراقية والعالية.