صلة الرحم .. قمة التراحم الانساني


حرص الإسلام على تقوية الروابط الاجتماعية بين أفراد المجتمع المسلم بكل أبعادها، وأن يتشارك بعضهم بعضاً في أفراحهم وأحزانهم، لأن ذلك مدعاة لزيادة التآلف وتعميق المودة والتراحم والتكافل والتناصح بينهم، قال تعالى: (َواْلُمْؤِمنُوَنَ واْلُمْؤِمنَاُتَ بْعُضُهْم أَْوِلَياءَ بْعض) (التّوبة/71). وُرِوي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الاعضاء بالحمى والسهر»، وعن أبي عبدالله (عليه السلام) قوله: «تواصلوا وتباروا وتراحموا وتعاطفوا».
من هذا المنطلق نجد اّن لصلة الرحم منزلةٌ كبرى وحيٌّز كبير في الإسلام، والآيات القرآنيّة التي قرنت عبادة الله الواحد وتقواه بصلة الرحم كثيرة، منها ما ورد في سورة ال ِنّساء: 
(يا أَيُّها الناس اتقُوا َربُكم الذي َخلَقَُكم ِمْن نَْفسَ واِحَدةَ وَخلََقِ مْنَهاَ زْوَجَها وَبث مْنُهَماِ رَجالاَ كِثيًراَ وِنَساًءَ واتقُوا َاللَّه الِذي تََساَءلُوَنِ بِهَ والأْرَحاَم إِن اللََّه َكان َعلَيكم َرقيبًا) (النساء/ 1)، يقول الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبته المعروفة: «ووقّروا كباركم، وارحموا صغاركم، وصلوا أرحامكم»، فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد للأمة المسلمة أن تتواصل وتتراحم، سواء كان الرحم واصلاً أو قاطعاً، لأن صلة الرحم تمثّل القيمة الإسلامية والقيمة الإنسانيّة التي يعطي الله الإنسان الذي يلتزم بها رحمته ومحبّته ورضوانه وكّل ألطافه، إن من أهداف صلة الرحم، والإحسان إلى ذوي القربى التأسيس لمشهد اجتماعي تحصينّي للإنسان، ينطلق من دافع القرابة والرحميّة، وهذا ما أشار إليه الإمام علّي (عليه السلام) بقوله: «أيّها الناس، إنه لا يستغني الرجل، وإن كان ذا مال عن عترته، ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم، وهم أعظم الناس حيطةً من ورائه، وألمهم لشعثه، وأعطفُهم عليه عند نازلة إن نزلت به». وأيضا قوله (عليه السلام): «وأكرم عشيرتك، فإنهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي إليه تصير، ويدك التي بها تصول». وعن الإمام زين العابدين (عليه السلام): «ما من خطوة احب إلى الله عزً وجل من خطوتين: خطوة يسد بها المؤمن صفًّاً في الله، وخطوة إلى ذي رحم قاطع» في مقابل دعوة الإسلام إلى صلة الرحم، حرم قطيعة الأقرباء، معبّراً عنها بتعبير قاس، هو قطع الرحم، مبيّناً عظيم فظاعته، وآثاره، وعقابه، يقول تعالى: (ويقطعُون َما أَمر اللَُّه بِه أَن يُوصل) (البقرة/ 27). 
سأل رجل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «فأخبرني أي ّالأعمال أبغض إلى الله؟ قال: الشرك بالله، قال: ثّم ماذا؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): قطيعة الرحم»، وعنه أيضاً (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم»، وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «الذنوب التي تعّجل الفناء قطيعة الرحم»، ويقول الإمام علّي (عليه السلام): «أقبح المعاصي قطيعة الرحم والعقوق» لم يرسم الإسلام كيفيّة محّددة لصلة الرحم، فهي قد تكون بالزيارة، وعيادة المريض، والمساعدة الاجتماعيّة، وإهداء الهدية، وإرسال السلام، عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «صلوا أرحامكم ولو بالسلام». 
ولم يدع الإسلام إلى صلة الرحم على أساس التبادل في العلاقة، بحيث يزور قريبه إذا زاره، ويهديه إذا أهداه، وهكذا، بل دعا إلى الصلة حتى في حالة القطيعة من الطرف الآخر، فعن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: «صل من قطعك... وأحسن إلى من أساء إليك».
وهكذا، فإن نجاح الإنسان يقيّم بقدرته على إدامة الاتصال والتّواصل مع الآخرين، وإن كان واجباً شرعيّاً ومطلباً اجتماعيّاً ضمن دائرة الأسرة والأرحام، فإن الإنسان يؤجر عليه ويثاب ويحاسب على تركه. يقول (صلى الله عليه وآله وسلم):»صل رحمك ولو بشربة من ماء، وأفضل ما يوصل به الرحم كف الأذى عنها».