القرصنة البحرية.. جريمة أقوى من القانون والقوة


تعد جريمة القرصنة البحرية من الجرائم الدولية الخطيرة التي باتت تشكل تهديداً للمجتمع الدولي نظراً إلى انتشارها واتساع نطاقها وتزايد معدلات ارتكابها.

خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية السيئة في بعض المناطق بالوقت الحاضر ولمخاطرها الضئيلة والعوائد المالية الكبيرة بالنسبة للقراصنة وهي جريمة تستهدف السفن التجارية الأمنة والبواخر وناقلات النفط العملاقة واليخوت السياحية التي تجوب خطوط الملاحة الدولية ويترتب على هذه الجريمة العديد من الأثار المادية والمعنوية الكبيرة على الأطقم والمسافرين على حد سواء وتهديدها لأمن الملاحة البحرية وسلامتها بين الدول قاطبة .‏

معنى القرصنة البحرية
يمكن تعريف القرصنة البحرية بأنها «الجرائم أو الأعمال العدائية، والسلب أو العنف المرتكبان في البحر ضد سفينة ما، أو طاقمها، أو حمولتها», كما يمكن تعريف القرصان «بأنه المغامر الذي يجوب البحار لنهب السفن التجارية».

وقد استخدمت كلمة قرصان في عام 140 قبل الميلاد من جانب المؤرخ الروماني بوليبيوس، وأشار إليها المؤرخ اليوناني بلوتارك عام مائة بعد الميلاد، ليعبر بها عن أقدم تعريف واضح للقرصنة.

تاريخ القرصنة
يرجع تاريخ القرصنة البحرية إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة في البحر الأبيض المتوسط أثناء نمو التجارة البحرية المكثفة بين مصر وجزيرة كريت وفينقيا، وكانت القرصنة بشكل مجموعات من البحارة تعيش على سواحل صقلية، وتهاجم السفن المنفردة والموانئ ذات الدفاعات الضعيفة.

وكان سكان جزيرة كريت هم أول من فكّر بالتصدي لهؤلاء، ثم جاء بعد ذلك دور مصر في عهد الفراعنة، حيث جهزت لأول مرة في التاريخ أسطولاً حربيًا صغيرًا لمحاربة القراصنة الذين ينهبون سفن البحر الأبيض المتوسط ومدنه، وكان القراصنة يهاجمون الأراضي في العمق فينهبون المواشي والجواهر والمحاصيل، ثم يأسرون الرجال والنساء والأطفال ويبيعونهم.

وبفضل جهود أثينا اختفت القرصنة، لكنها عادت في القرن الرابع قبل الميلاد عندما تفككت إمبراطورية أثينا، وفي القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد، شجعت النزاعات الثلاثة الرئيسة الناشبة بين الرومان والقرطاجيين، على تنشيط أعمال القرصنة، واستعانت القوات المتحاربة على نطاق واسع بالقراصنة، ولا سيما الرومان، وفي القرن الأول قبل الميلاد، وعندما دخلت روما في صراع لا ينتهي ضد ملك بونت للسيطرة على آسيا الصغرى، وجد الملك «ميتريدات» نفسه مضطرًا للتحالف مع قراصنة صقلية، الذين كانوا يمتلكون أسطولاً يزيد تعداده على ألف سفينة، وبفضل هذا الدعم تمكّن ميتريدات من التغلغل في الأراضي الإغريقية، واستولى على أثينا، ولما تمكن ميتريدات من السلطة قرّر تطهير سواحل صقلية من القراصنة التي تقيم فيها، وعاش البحر في سلام من القرصنة حتى سقوط الإمبراطورية الرومانية في نهاية القرن الخامس بعد الميلاد، حيث عادت القرصنة إلى الظهور فيه.

ولكن القرصنة بلغت ذروتها خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، وبنهاية القرن السابع عشر ومع نمو القوة المركزية القوية في اليابان وفي الصين تم القضاء على معظم القراصنة، وزاد حجم السفن التجارية، كما تطورت تكنولوجيا الاتصالات ودوريات الحراسة البحرية في معظم الطرق الرئيسية على المحيط، وقويت الإدارة المنظمة لمعظم الجزر والمناطق البرية في العالم، وتم تجريم القرصنة من قبل الحكومات المختلفة؛ الأمر الذي أدى إلى إحداث تراجع كبير في حجم القرصنة في القرن التاسع عشر والعشرين، وقد حدثت القرصنة في القرن العشرين في أماكن تقليدية مثل بحر الصين الجنوبي.

القرصنة في الحاضر:
على الرغم من التقدم الحضاري الكبير في العالم، وعلى الرغم من وجود منظمات دولية ومحاكم وقوانين دولية، ووسائط رصد ومراقبة فائقة القدرة، وطيران سريع وأسلحة فعّالة، عادت أعمال القرصنة البحرية لتطل برأسها من جديد.

ومؤخرًا ازدادت القرصنة نتيجة للاضطرابات التي تشهدها بعض الدول وانتشار الفوضى فيها، وتنتشر عمليات القرصنة البحرية حاليًا شمالاً إلى خليج عدن وجنوبًا إلى سواحل كينيا.

ويقول مكتب البحرية الدولي: إن «عمليات القرصنة قبالة القرن الإفريقي وفي خليج عدن، ومساحتها حوالي مليون ميل مربع، تمثل ثلث عمليات القرصنة في العالم بأسره». أما مساعد مدير مكتب الملاحة الدولية في لندن، الذي يتابع مثل هذه العمليات، مايكل هوليت فيقول: «هذا أمر غير مسبوق تمامًا، لم نر ألبتة وضعًا مماثلاً».، وأضاف: لقد ارتفع عدد هذه العمليات من خمس عام 2006 إلى 12 العام الماضي، وحتى الآن خلال هذا العام بلغ عددها 39، ويسيطر القراصنة على 17 سفينة وأطقمها الـ339، بعد أن كانوا قد احتجزوا وأطلقوا 22 سفينة أخرى مع 439 يشكلون أطقمها.
 
القانون الدولي وجريمة القرصنة البحرية
أصدر مجلس الأمن بتاريخ‏2‏ ديسمبر‏2008‏ قراره الثالث برقم‏(1846)‏ الذي جدد فيه تفويضه للدولة في استخدام القوة المسلحة ضد القراصنة الذين يخطفون السفن التجارية قبالة الساحل الصومالي‏,‏ وذلك بموافقة الحكومة الانتقالية علي دخول المياه الإقليمية للصومال لمطاردة ومهاجمة القراصنة مع احترام نصوص القانون الدولي المتعلقة بالأعمال في عرض البحر‏.‏ وتنفيذا لهذا القرار قامت دول الاتحاد الأوروبي بالشروع في عملية جوية وبحرية أمام الساحل الصومالي اعتبارا من يوم الإثنين‏8‏ ديسمبر بمشاركة ست سفن حربية وطائرات مراقبة للسواحل البحرية الصومالية التي تشن منها القراصنة هجومها علي السفن التجارية‏.‏

موقف الشريعة الإسلامية من القرصنة البحرية

لاشك أن القرصنة لا تتفق مع الإسلام لأنه يترتب عليها ابتزاز الأموال أو الاعتداء على السلامة الجسدية أو حياة الأشخاص فضلا عن كونها عائقا خطيرة أمام حرية المجاري البحرية الدولية لذلك يطلق ابن عابدين على القراصنة اسم اللصوص والقطاع .

وقد حارب الإسلام مقدمات القرصنة فحرم الظلم ، ومنع أخذ حقوق الغير فقد تطرق القرآن الكريم إلى الاعتداء على السفن من جانب سلطات الدولة في سورة الكهف قصة سيدنا موسى والخضر عليه السلام :

يقول تعالى: «أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا» (الكهف: 79).

ولا يشكل ذلك قرصنة لأن هذه الأخيرة تفترض ارتكاب الفعل من أفراد عاديين ولتحقيق غرض خاص، وإنما يمكن تكييف ذلك بأنه يعتبر نوعا من أنواع الغصب أو المصادرة غير المشروعة يمثل اعتداء على حرية الملاحة السلمية الدولية لما فيه من اعتداء على السفن وتحويل مسارها تمهيدا لغصبها أو مصادرتها.

والآية السابقة إن دلت على استهجان غصب السفن من جانب سلطات الدولة فإن قيام الأفراد بذلك عن طريق القرصنة يكون مستهجنا من باب أولى.