الحاج عبداللطيف الحمر: والدي تزوج 6 نساء وعمل بالتجارة.. وأنا تزوجت واحدة


عندما التقيته للمرة الأولى شعرت بأن الله سبحانه وتعالى وهبني كنزاً لا يقدر بثمن، رجل بلغ من الكبر عتياً، عوامل الطبيعة والعمل من سفر عبر البحار والمحيطات، ومن غوص في الأعماق بحثاً عن اللؤلؤ، ومن تجارة وبيع لأدوات صناعة السفن، ومن صنع شباك الصيد بيديه كل هذا وذلك ترك أثاراً في جسده، وأفكاراً في عقله، هذا العقل الذى يضم جوانب ممتلئة بالأحداث والمواقف والذكريات إنه الحاج عبداللطيف الحمر.
يسكن في منطقة الدسمة في غرفة تشع بالذكريات والمواقف التاريخية، يحرص العديد من الشباب وكبار السن على زيارته والاطمئنان على صحته ويدعون له بدوام الصحة والعافية وطول العمر، وقد رافقني في الزيارة الأخ العزيز عمر الحمر الذي أبلغني أنه الآن يبلغ من العمر ست سنوات فوق المئة.
رحب بي، واعتدل في جلسته بعد أن كان مصجعاً على ظهره، قلت له استرح واجلس كما تريد يا عمي، فعاد ليقول أهلا بك حياك الله.
ونظر إلي نظرة تقول فيها عيناه.. نعم ماذا تريد، من دون أن ينطق بذلك، قلت له: أريد عن أسمع ذكرياتك وأتعرف على أعمالك، فقال، وبعد هذا العمر، أنني لا أتذكر شيئاً.
طفولته والعمل:
قلت له ولكنك أحد رجالات الكويت المشهورين وأصحاب الخبرة والتجارة والأعمال، وسألته كم امرأة تزوجت؟، فعاد واعتدل مرة أخرى ونظر لي قائلاً: واحدة.. واحدة وباليتني لم أتزوج، وكأنني نشطت فيه الذاكرة والأحداث .. وعدت لأقول له.. كيف عشت طفولتك؟
قال: دخلت البحر مع والدي وكان عمري 8 سنوات، وقد مارست مهنة الملاحة لسنوات طويلة قضيتها في البحار والمحيطات في سفن السفر التي تقوم بالاستيراد ومع سفن الغوص للبحث عن اللؤلؤ في أعماق البحار.
الحياة القديمة:
وعن المعيشة في الكويت قديماً قال إن معظم الكويتيين قديما من الطبقة الفقيرة وقلة هم الأغنياء، معيشتهم تتسم بالبساطة وحالتهم يسيرة وليست معقدة والكثير منهم من يعيش على قوت يومه ويعمل منهم الغني والفقير في سبيل كسب لقمة العيش في حين لا يجد البعض منهم المال الكافي لإطعام عائلته في بعض الأحيان.
وأشار إلي قائلا أنتم أبناء هذا الجيل لم تعانوا ما عانيناه فالعمل قديما من مستلزمات الحياة حيث يعمل الأبناء منذ الصغر أى قبل بلوغهم سن البلوغ لإعانة أهاليهم في معيشتهم الصعبة ومن النادر أن تجد الأبناء بلا عمل سواء الغني منهم والفقير فالكل يعمل في سبيل كسب لقمة عيشه حيث يعمل أبناء الأغنياء مع أهاليهم في تجارتهم حتى يتم صقلهم منذ صغرهم لتحمل المسؤولية أما العامة من الكويتيين فيعملون في مهنة الغوص وصيد الأسماك ونقل المياه وقطع ونقل الحجارة وغيرها من المهن الشريفة التي تتطلب الصلابة والصبر، حيث يعمل بعضهم بيوميات زهيدة لا تكاد تكفي قوت يومهم فلم يكن العمل يعيب الرجل قديما ما دامت المهنة شريفة.
المياه والطعام:
ما ذكرياتك عن المياه والطعام في الكويت؟
المياه قديما شحيحة في البداية كانت المياه تجلب من الآبار الموجودة في المدينة ومع اتساع المدينة وزيادة عدد سكانها تم جلبها من الآبار المجاورة للمدينة ومن الآبار البعيدة عنها، ومع الطلب المتزايد على المياه قام الكويتيون بجلب المياه من شط العرب لسد النقص، وكانت لديهم مياه تستخدم للشرب وأخرى للطبخ ومياه للاستخدام الحيواني والاستخدامات الأخرى حيث عانوا رحمهم الله الكثير من شحّها وعذوبتها.
أما الأكل وعاداته فهي تختلف عما هي عليه في وقتنا الحالي فوجبتهم غززة ولا يقومون بالتبذير في هذه النعمة وأن الوجبة الرئيسية هي العشاء وتقدم إما قبل صلاة المغرب أو بعدها بقليل حيث يخلدون للنوم، أما وجبة الغداء فتقدم قبل صلاة الظهر أو بعدها بقليل وفي الإفطار يفطر العامة على التمر و»الغبيبة» وهو ما تبقى من العشاء أما الأغنياء فيفطرون على الخبز والمفروك» وفي الغذاء يأكل العامة التمر والمتوت» وهي «أسماك العمومي» الغصية المجففة أما الأغنياء فيأكلون الخبز مع اللبن «المخيض» والتمر والأرز وقليلاً ما يطبخ الأرز سواء مع الماش أو الربيان فلا يؤدم باللحم والسمك يوميا بل مرة أو مرتين في الأسبوع.
العمل بالغوص :
وماذا عن العمل بالغوص؟
يقول الحج عبداللطيف: عملت في الغوص أربع سنوات مع الشمالي وعبدالرحمن الحساوي، وكانت مهنة قاسية وهي من المهن التي عمل بها الأجداد، حيث تعتبر مصدر رزقهم ودخلهم السابق، وهي مهنة ليست متعبة فقط بل تعد من المهن الخطيرة وتتطلب لياقة بدنية عالية وشجاعة فقد يذهب الكثير للعمل بهذه المهنة ولكن قلة من هم يستمرون بها والكثير يعجز عن العمل بها ولا يتحملها فيهرب منها، وهناك نواخذة مهرة من عيال مطر والبرجس والفوادرة والنصف والعسعوسي والعصفور ومواسم الغوص أربعة :
1. الخاذجية: غوص الخاذجية هو أول الغوص ويكون في أواخر فصل الربيع في أبريل ويكون الماء في تلك الفترة بارداً وتكون سفنهم قريبةً من الساحل في «مغاصات العدان» القريبة من الساحل وقليلة العدد وعدد الغاصة قليل ولا يخضع غوص الخاذجية لقانون الغوص.
2. الغوص الكبير: وهو الغوص المعروف الذي تستخدم به السفن الكبيرة والصغيرة فالسفن الكبيرة تذهب للمغاصات البعيدة والسفن الصغيرة تذهب للاهيرات القريبة ويخضع هنا الغوص الكبير لقانون الغوص، حيث إن السفن ملزمة بموعد للدشة والقفل.
3. الردة: ومعناها العودة ثانية وتكون بعد انتهاء موسم الغوص في شهر سبتمبر، والردة تكون في أكتوبر ويكون البحر فيها بارداً وهو أقرب إلى غوص الخاذجية باكورة الغوص، والسفن التي تذهب لغوص الردة قليلة العدد وأغلبها من السفن الصغيرة الحجم.
4. إرديدة: وهذا النوع من الغوص يكون في شهر نوفمبر وتكون المياه باردة وتكون بالقرب من السواحل ومدته قصيرة ولا يخضع لقانون الغوص وقلة من يذهب للغوص في تلك الفترة وفي عوض الخاذجية والردة وإرديدة نصيب الفيص يكون للفيص ولا يأخذ عليها النواخذة أي مبالغ.
ويستعد أهل الكويت قديماً للدخول الى غوص وقبيل كل موسم غوص يسجل الغاصة مع من يريدون الدخول من النواخذة ويقوم النوخذة بتقديم السلف للبحارة قبل «الدشة» حسب مقدار السلف الذي تقرره الحكومة يأخذ الغيص السلف ويقوم بإعطاء المال لأهله لكي يصرفوا منه في غيابهم ثم يقوم الغاصة والسيوب بشراء المعدات اللازمة للغوص ومنها :
الفطام: وهي قطعة صغير مصنوعة من عظام السلاحف حجمه صغير ويضعها الغيص على أنفه لمنع تسرب الماء داخله ويحضرها الغيص معه.
الدين: وهو وعاء مصنوع من الحبال «كالسلة» ومن المالي يكون على شكل قوس مصنوع من الخشب يستخدمه الغيص عندما ينزل لجمع المحار به ويحضرها الغيص معه وينطقه أهالي القصور «الدجين».
الخيط: جلد يوضع على أطراف أصابع الغيص لحماية أطراف يد الغيص من الجروح في حالة جمع المحار وخاصة من بعض الأصداف المسماة بصدف «الفِساقة» بكسر الفاء وغيرها من القواقع ويستخدم في حالة يكون المحار كثيرا في القاع ويحضرها الغيص معه.
الحجر: هي قطعة من الرصاص يستخدمها الغيص لكي يساعده للنزول في قطاع البحر ويحضره الغيص معه.
الشمشول: وهو شورت «سروال» قصير أسود اللون يلبسه الغيص بدلا من الوزار لكي يعطيه حرية بالحركة تحت الماء وهو أشبه بالمايوه في الوقت الحالي.
بداية الغوص:
ويتحدث الحاج عبداللطيف الحمر عن الغوص وبدايته فيقول:
فبعد اكتمال الغاصة معداتهم تبدأ «الدشة» ويودع البحارة أهاليهم وتبحر السفن على مجموعات حسب جاهزية السفينة ووصولهم للاهيرات يعتمد على الهواء وخبرة النوخذة ومعرفته بالمجاري البحرية فمجرد وصولهم يبدأ بعدها موسم الغوص من تاريخ 21/5 وينتهي في 21/9 وهو الغوص الكبير حيث تبحر السفن في اتجاه مغاصات اللؤلؤ في موكب وتملأ أشرعتهم سفنهم الأفق فمجرد وصول السفينة الاهيرات وإلقاء المرساة «السن» يقول البحارة:
نزلنا منزل مبارك وأبرك دار.. على الهير والمحار
ويقولون أيضا: يالله منزل مبارك.. وأنت خير المنزلين
وساعات العمل في الغوص تعتمد على الوقت حيث في بداية الغوص تتراوح مدة العمل للغيص ما بين أثنتي عشرة ساعة إلى أربع عشرة ساعة، حيث إنه في بداية الغوص تكون المدة أقل ثم بعدها تزيد المدة.
ويستيقظ البحارة باكراً فيصلون صلاة الفجر ويتداولون الفطور المكون من الشاي والقهوة ويأكلون فردات من التمر «القدوع» ولا يأكلون ألا قليلاً منه حتى لا تمتلئ معدتهم لكي لا تعيقهم في عملهم هذا بالنسبة للغيص أما السيب فيأكل كما يشاء من التمر والماء.
بعد طلوع الشمس يبدأ الغاصة في العمل وجمع المحار طوال اليوم ويتنقلون من هير إلى آخر بحثاً عن المحار وينتهي العمل لهذا اليوم بمغيب الشمس ويقول النواخذة أو من ينوب عنه «اطووا أحبالكم» أو هلل عليهم «ويرد الغاصة «لا إله إلا الله» ويخرج الغاصة إلى سطح السفينة وهم يقولون :
الغوص عادة والصلاة عبادة.
ويقولون أيضا :
خير يا لله على التالي والأول ويقولون أيضا: لا إله إلا الله رزق اليوم أخذناه ورزق بأجر على الله.
تتخلل الفترة من الصباح فترات قصيرة للراحة تناوب عليها الغاصة لصلاة الظهر وصلاة العصر حتى غياب الشمس حيث يتوقف العمل وبعدها يصلون صلاة المغرب ويتناولون وجبة العشاء وتكون من الرز «العيش» والسمك ومرق السمك في بعض الأحيان وبعد صلاة العشاء يخلدون إلى النوم من التعب والإرهاق استعداداً لليوم التالي.
فلق المحار «فتح المحار» :
وفي الصباح الباكر يتأهب الغاصة والسيوب لفتح المحار وتسمى بفلق المحار ويتم فلق المحار عن طريق «المفلقة» وهي سكين تستخدم لفتح المحار ويعمل الجميع في فتح المحار بحثاً عن اللؤلؤ وفي بعض الأحيان يكون المحار كثيراً ويتم وضعه على جنب ويعمل السيوب في فتحه حيث ينزل الغواصون إلى البحر لجمع المحار وإذا تم جمع كميات كبيرة تمتلئ السفينة بعدها يتوقف الغاصة عن الغوص وتسمى «بهازون».
 وتحدث الحاج عبداللطيف عن البيوت القديمة فقال:
عاش الكويتيون قديماً في بيوت اتسمت بالبساطة وكانت بيوتهم قديما متقاربة تتخلها طرق ملتوية، و كثيراً ما تكون هذه الطرق مقفلة في نهايتها يتراوح عرضها مابين 2 إلى 6 أمتار ولكنها كافية للتنقل ومرور الدواب و كان لتقارب بيوتهم الكثير من الفوائد لسكانها منها فوائد صحية كحمايتهم من اشعة الشمس الحارقة والظروف المناخية الصعبة كالعواصف الرملية بالإضافة للفوائد الأمنية كشعورهم بالأمن والأمان لقرب البيوت من بعضها، كما ان تقارب البيوت من بعضها يسهل عملية الدفاع عنها في حال تعرضها لعدوان من الخارج .
صناعة شباك الصيد:
ويقول الحج عبداللطيف عن عمله في صناعة الشباك لصيد الأسماك فيقول: لقد عملت في صناعة الشباك، وهي عبارة عن نسيج من الخيوط القطنية أو النايلون بطول 10 - 5 أمتار وعرضها حوالى 5 أمتار وتركب عوامات صغيرة على الحبل العلوي واحدة كل مترين، وكذلك الثقالات المصنوعة من الرصاص على الحبل السفلي.
ويقول باسماً لقد تشققت أصابعي ويدي من صناعة الشباك وقد عملت أيضا في صيد الأسماك، (دكان أدوات صناعة السفن).