وادي كلمة

على طريق التاج


يقول أحدهم: إنه لو كان للترحال مثقال لكان العالم في كفّه والهند بمفردها تميلُ في صحن الميزان المقابل. منتصف الليل وسنونو الكويت الطائر الأزرق تلامس إطاراته أرض المهاتما.
 
أنبوب انتهاء الرحلة يأخذني في خرطومه حيث صالة آنديرا غاندي، وأحضر المطار الذي بدا لي جيداً يعكس الثقافات والمعتقدات الهندية الكثيرة بمختلف أطيافها وبشكل جميل والترتيب العام و»موكيت الأثاث»، شيء ربما تحسد الهند على مطار أنديرتها بعض شعوب العالم الثالث الأخرى. والهند في تعداد أطلس رحلاتي البلد رقم 51 وهو ذات العام الذي احتفى به شعب شبه القارة بجمهوريتهم لأول سنة، لا غرابة إن رأيت في المسافة القصيرة من المطار إلى الفندق الأعاجيب، فأنا فعلاً وضعت أقدامي في بلاد الأعاجيب وألوان الساري الزهرية ومملكة البهارات وجوهرة التاج البريطاني، الطريق تشكّله فوضى أشبه بالسديم تختلط بها أشجار الموز بأزهار اللوتس والسناجب بالمواشي والأبقار ذات القدسية الهندوسية التي تسعى في كل زرعٍ وعند كل إنارة، وحتى في وسط الشارع المكتظ بدراجات التُكتك وعربات الريكشا والكارّو، إنه عالم ساحر ومليء بالحركة والديناميكية التي لا تتوقف عند حد. تُعادُ في ذهني شريطاً تصورته عن الهند منذ زمن يأتي معه صوت بساط الفقر وفقرة تميار سديكي، انتي اللي عفستيني عفيسه.. وغلام والمهفة الخشب وتاج المهراجا وأفاعي الناي. وحكايات ألف ليلة وليلة وابن المقفع، ونحن في بلاد الخليج لم نكن يوماً بعيدين عن هذه الشعوب فقد تشربنا ثقافتها في طعامنا وشرابنا وأقمشتنا وأفلام بوليود عصر كل جمعة، وصولاً لأيام الخشب واللؤلؤ، فقد ارتبطت هذه القارة بنا عبر التواصل الزمني لنصلها تارة ولتصلنا تارة ولا تنقطع الشّعرة.
 
عند مدخل المسكن الفندقي ذي الخمس نجمات كانت تلك اليافعة الهندية بلباسها التقليدي الأحمر تستقبلني بترحاب سعيد.. (نامستي)، فتقلدني طوقاً من الياسمين، وطبع نقطة حمراء أوسط الجبين.. وتعاويذ شكر مع تحية إغلاق الكفوف وانحناءة الاحترام.. غرفتي المهراجية تزينت بصورة الامبراطور المغولي شاه جيهان الذي بنى تاج محل الأبيض، وكاد أن يبني النسخة السوداء منه. قصدت رمزه الممتاز عند مطلع الضياء، واتخذت طريق التاج إلى أغرا، والمسافة التي عبرتها لأربع ساعات كانت كالمحيط المتلاطم ليس بالماء بل البشر وكل شيء، وعلى المرمر الأبيض المقام على ضفة نهر يامونا وبريق الشمس فوق الرخام الأملس المصقول، وجدران الأعجوبة المعمارية التي تقلّدت أشكال الزهور المقدسة وحُفرت يدوياً بالياقوت والعقيق اليماني وكل حجر كريم.. كنت هناك أرى أيقونة الحُب الخالدة تلك، وزهرة العجائب السبع.